يعكس التقرير الفصلي للمندوبية السامية للتخطيط لسنة 2025 صورة واضحة عن علاقة الاقتصاد الوطني بعوامله البيئية، خصوصا في قطاعات الصناعة والطاقة والماء والبناء. وتظهر المعطيات أن التحولات المناخية وندرة الموارد وتذبذب سلاسل التوريد باتت عناصر مؤثرة بشكل مباشر في دينامية الإنتاج.
في قطاع الصناعات التحويلية، سجل الإنتاج ارتفاعا خلال الفصل الثالث بفضل الصناعات الكيماوية والغذائية والمنتجات غير المعدنية، بينما شهدت صناعة السيارات وصناعة الأجهزة الكهربائية تراجعا.
ويبرز التقرير أن قرابة ثلث المقاولات واجهت صعوبات في التموين بالمواد الأولية، خصوصا المستوردة، في مؤشر على هشاشة سلاسل الإمداد وتأثرها بارتفاع الأسعار العالمية. كما اعتبرت 20 في المائة من المقاولات وضعية خزائنها صعبة، ما يعكس ضغطا ماليا يرتبط جزئيا بكلفة الطاقة والماء ومعالجة النفايات.
وفي قطاع الصناعات الاستخراجية، يرتبط الارتفاع في إنتاج الفوسفاط بالطلب الدولي، لكن الانخفاض في عدد المشتغلين يعكس تحولاً نحو استعمال أكبر للتقنيات المميكنة. أما قطاع الطاقة فسجل ارتفاعا في الإنتاج خلال الفصل الثالث مقابل توقعات بانخفاض في الفصل الرابع، وهو تذبذب يرتبط بتغيرات الطلب الداخلي وتكلفة الوقود الأحفوري، في وقت يواصل فيه المغرب تعزيز حضوره في الطاقات المتجددة.
ويوضح التقرير استقرار قطاع البيئة، خصوصا في جمع ومعالجة وتوزيع الماء، وهو استقرار ناتج عن محدودية القدرة على التوسع في ظل استمرار الضغط على الموارد المائية. هذا المعطى يضع الماء في قلب الإشكال الاقتصادي، لأن أي توتر في هذا القطاع ينعكس مباشرة على الصناعة والبناء.
وفي قطاع البناء، سجلت الأنشطة تحسنا خلال الفصل الثالث، خصوصا في الهندسة المدنية والبناء المتخصص، بينما ظل تشييد المباني مستقرا. ويرتبط هذا التحسن ببرامج البنية التحتية، لكنه يواجه بدوره صعوبات التموين بالمواد الأساسية وارتفاع كلفتها، إضافة إلى وضع مالي حساس لدى جزء من المقاولات. وقد بلغت قدرة الإنتاج المستعملة في القطاع واحدا وسبعين في المائة، ما يشير إلى إمكانية تطوير الأداء بإدماج تقنيات بناء أقل استهلاكا للطاقة والماء.
أما توقعات الفصل الرابع فتعكس استمرار تباين المسارات؛ إذ يرتقب تحسن في الصناعات التحويلية والبناء، مقابل تراجع في الصناعات الاستخراجية والطاقية. وتؤكد هذه التوقعات أن الاقتصاد المغربي أصبح شديد الارتباط بالعوامل البيئية، وأن تعزيز قدرته التنافسية يمر عبر ترشيد استهلاك الموارد وتنويع مصادر الطاقة والرفع من مردودية الإنتاج.
وتبرز الخلاصة العامة أن دمج البعد البيئي في السياسات الصناعية والبنيوية لم يعد خيارا إضافيا، بل ضرورة لضمان استدامة النمو وقدرة القطاعات على مواجهة تقلبات المناخ والأسواق.




















عذراً التعليقات مغلقة