إلى متى سنظل في صدارة الدول الأكثر دموية على الطرق؟

ECO176 يوليو 2025
إلى متى نظل في صدارة الدول الأكثر دموية على الطرق؟
خديجة مبتسم

يشهد المغرب ارتفاعا مقلقا في عدد حوادث السير، فقد سجلت البلاد خلال سنة 2024 أكثر من 143 ألف حادثة سير، خلفت ما يزيد عن 4.024 حالة وفاة، ما يمثل زيادة بنسبة 5.4% في عدد الوفيات و16.2% في عدد الحوادث مقارنة بسنة 2023. وفي المناطق الحضرية فقط، سجلت المديرية العامة للأمن الوطني خلال سنة 2023 أزيد من 85.000 حادثة، نجم عنها مقتل 993 شخصا وإصابة أزيد من 115.000 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة.

وتشكل هذه الأرقام ناقوس خطر حقيقيا، بالنظر إلى التكلفة الاقتصادية والبشرية الباهظة لحوادث السير، والتي تقدر بنحو 19.5 مليار درهم سنويا، أي ما يعادل 1.7% من الناتج الداخلي الخام. ويرجع الخبراء أسباب هذه الظاهرة إلى عدة عوامل، في مقدمتها السرعة المفرطة، وعدم احترام قانون السير، والاستهتار بالقواعد من طرف السائقين والمارة على حد سواء.

الفئات الأكثر عرضة لهذه الحوادث هم مستعملو الدراجات النارية والمشاة، حيث يمثلون معا حوالي 40% من إجمالي الوفيات. ففي سنة 2023 وحدها، بلغ عدد قتلى حوادث الدراجات النارية 1.537 شخصا، ما يجعل هذه الفئة من بين الأكثر تضررا على الطرقات، خاصة في المدن الكبرى.

تم عرض هذه الحصيلة خلال اجتماع اللجنة الدائمة للسلامة الطرقية بالرباط، خصص لعرض التقرير النهائي لحوادث السير خلال سنة 2024، والذي كشف عن  هذه الأرقام المقلقة بشأن عدد الضحايا. في ضوء هذه المعطيات، تم اعتماد برنامج استعجالي لصيف 2025 يهدف إلى الحد من الحوادث، خاصة خلال فترة تنقلات الصيف، مع ضرورة تقوية الرقابة، تحسين البنية التحتية في النقاط السوداء، وتكثيف التوعية، مع التأكيد على أهمية تنسيق الجهود بين مختلف القطاعات لضمان فعالية البرنامج.

فيما أعلنت الحكومة عن مجموعة من الإجراءات الجديدة ضمن استراتيجية وطنية للسلامة الطرقية تمتد من 2024 إلى 2030، وتهدف إلى خفض عدد القتلى بنسبة 50%، لاسيما في صفوف مستعملي الدراجات النارية والمشاة والأطفال. وقد شملت هذه الإجراءات إصلاح نظام الحصول على رخصة السياقة، وتكثيف استعمال الرادارات الثابتة والمتحركة، وتحسين البنية التحتية الطرقية، بالإضافة إلى إطلاق برامج توعية في المدارس وأماكن العمل.

كما كثفت المديرية العامة للأمن الوطني من عمليات المراقبة والزجر، حيث يتم تسجيل ما يفوق 50 ألف مخالفة أسبوعيا، مع تفعيل إجراءات الحجز الفوري للعربات المخالفة، وتنظيم حملات تحسيسية متكررة في مختلف جهات المملكة. أما الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية NARSA، فقد شرعت في تنفيد مشاريع كبرى من بينها تعزيز أسطول النقل المهني، وتحديث معايير السلامة الميكانيكية، وتعميم برامج التكوين المستمر للسائقين المهنيين.

غير أن المسؤولين يؤكدون أن هذه الجهود، على أهميتها، لن تؤتي أكلها إلا إذا ترافقت مع تغيير حقيقي في سلوك المواطن المغربي على الطريق. فالسلوك الفردي يبقى حجر الزاوية في منظومة السلامة الطرقية، سواء من خلال احترام الإشارات المرورية، أو الالتزام بالسرعة القانونية، أو استعمال حزام الأمان والخوذة، أو اليقظة أثناء السياقة في محيط المدارس والأحياء السكنية.

وفي الوقت الذي تستعد فيه السلطات لتقييم حصيلة منتصف هذه الاستراتيجية بحلول سنة 2026، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل التعبئة المؤسسية الحالية إلى نتائج ملموسة: تقليص فعلي في عدد الحوادث والضحايا، وبناء ثقافة مجتمعية قائمة على المسؤولية واحترام الحياة.

الحل لن يكون سحريا، لكنه يبدأ بخطوات واضحة: تربية، ردع، إعلام، وبنية تحتية ذكية، إلى جانب مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطن. فقط حين نقتنع بأن كل خطأ في الطريق قد يكلف حياة، سنبدأ فعليا في تغيير الاتجاه.

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق