الغابات ورهانات المناخ العالمي.. تعثر الاتفاقية الدولية للغابات (1/8)

ECO1714 أكتوبر 2025

الغابات ورهانات المناخ العالمي.. تعثر الاتفاقية الدولية للغابات (1/8)
إيمان بنسعيد- باحثة في القانون، التنمية المستدامة والسياسات البيئية

تعد الغابات من الركائز الحيوية للنظام البيئي العالمي، إذ تشكل ما يقارب 31% من مساحة اليابسة على الكوكب، وتضم أكثر من 80% من التنوع البيولوجي البري، وتوفر سبل العيش المباشر لما يزيد عن 1.6 مليار شخص، بينهم ما يفوق 60 مليونا من الشعوب الأصلية التي تعتمد على الغابات كمصدر رئيسي للغذاء والدواء والطاقة. كما تمتص الغابات سنويا ما يقارب ثلث الانبعاثات العالمية من ثاني أكسيد الكربون، أي نحو 2.6 غيغا طن من الكربون، ما يجعلها أحد أهم “الخزانات الكربونية” الطبيعية التي تساهم في تثبيت المناخ وتنظيم الدورة المائية العالمية [1].

غير أن هذا الدور المركزي لم يواكبه إطار قانوني دولي موحد وملزم، إذ ظلت حماية الغابات لعقود طويلة قضية مشتتة بين منظومات متعددة؛ المناخ، التنوع البيولوجي، ومكافحة التصحر، دون أن تحظى باتفاقية دولية خاصة بها. ويعزى هذا التشتت إلى عوامل سياسية واقتصادية وهيكلية؛ فبينما تعتبرها الدول الصناعية ركيزة في سياسات المناخ وخفض الانبعاثات، تراها الدول النامية موردا سياديا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ما ولد تباينا في الرؤى بين الشمال والجنوب منذ مفاوضات قمة ريو سنة 1992 [2].

كما ساهمت طبيعة الغابة المتعددة الوظائف (الإيكولوجية، الاقتصادية، الثقافية)، في تعقيد مسار الحماية القانونية؛ فهي ليست فقط موئلا للتنوع البيولوجي، بل كذلك رأسمالا طاقيا ومعدنيا وسياحيا. هذا التداخل جعل المقاربة الدولية تجاهها تتأرجح بين المنطق الاقتصادي الذي ينظر إليها كمخزن للكربون أو مصدر للمواد الخام، والمنطق الإنساني–الإيكولوجي الذي يراها فضاء للحق في الحياة والبيئة السليمة.

وقد أدى هذا التباين في المقاربات إلى تأخر بناء منظومة دولية مستقلة للغابات، بحيث ظلت إدارتها القانونية تتم عبر نصوص فرعية أو بروتوكولات ملحقة باتفاقيات المناخ والتنوع البيولوجي. ومع تصاعد الأزمة المناخية، بدأ إدراك جماعي يتبلور لدى المجتمع الدولي مفاده أن حماية الغابات ليست فقط مسألة بيئية، بل مسألة وجودية ترتبط بالأمن المناخي والإنساني، وأنها يجب أن تتحول من موضوع فرعي إلى فاعل قانوني ومؤسسي ضمن المنظومة البيئية الكونية.

أولا: تعثر الاتفاقية الدولية للغابات – مسار لم يكتمل

بدأت ملامح التفكير في وضع اتفاقية دولية شاملة لحماية الغابات خلال التحضير لقمة الأرض (ريو دي جانيرو، يونيو 1992)، حين برز إدراك متزايد بأن الغابات تمثل إحدى الركائز البيئية الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة. غير أن هذه القناعة الجماعية لم تترجم إلى التزام قانوني فعلي، إذ اصطدمت المفاوضات بخلافات بنيوية بين الدول الصناعية في الشمال والدول النامية في الجنوب حول فلسفة الحماية ومصادر تمويلها وموقع السيادة الوطنية في استغلال الموارد الطبيعية [3].

فمن جهة، تمسكت الدول المتقدمة بضرورة إدراج الغابات ضمن آليات خفض انبعاثات الكربون واعتبارها جزءا من الاقتصاد المناخي الجديد القائم على “الائتمانات الكربونية“، بينما رأت الدول النامية أن هذا الطرح يهدد سيادتها على مواردها الطبيعية، ويحول الغابات إلى أداة لفرض “حمائية بيئية مقنّعة” تقيد صادراتها من الأخشاب والمنتجات الغابوية. كما طالبت هذه الأخيرة بتعويضات مالية وتقنية عادلة، انسجاما مع مبدأ “المسؤوليات المشتركة و المتباينة” الذي أقرته اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ [4] .

وفي ظل هذا الانقسام، فشلت الدول في التوصل إلى اتفاق ملزم، واكتفت بتبني “البيان غير الملزم بشأن المبادئ المتفق عليها لإدارة وصون جميع أنواع الغابات  (Non-Legally” Binding Forest Principles, 1992)، وهو نص توصياتي أكثر منه قانوني، يقر بأهمية الإدارة المستدامة دون تحديد آليات للمساءلة أو للتمويل [5]. وبذلك، تكرس ما يمكن تسميته بـ “الفراغ المعياري الغابوي-Forest Normative Gap “، إذ لم يتم إنشاء اتفاقية دولية ملزمة للغابات، بخلاف ما حدث في قضايا المناخ والتنوع البيولوجي والتصحر.

وفي محاولة لتجاوز هذا الجمود، أنشأت الأمم المتحدة سنة 1995 اللجنة الحكومية الحكومية للغابات (IPF)، ثم المنتدى الحكومي الدولي للغابات (IFF) سنة 1997، قبل أن يدمجا في إطار المنتدى الدولي للغابات (UNFF) سنة 2000، الذي يتولى تنسيق السياسات الغابوية وتقديم تقارير إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة. (ECOSOC) ومع ذلك، لم تتجاوز قرارات هذه الهيئات نطاق التوصيات الطوعية، إذ غابت عنها الآليات التنفيذية والجزاءات القانونية التي تضمن احترام الالتزامات.

ويرى العديد من الباحثين أن عدم النجاح في صياغة “اتفاقية الغابات” لم يكن فشلا سياسيا فحسب، بل أيضا  قصور بنيوي في التصور المفاهيمي؛ لأن المجتمع الدولي آنذاك لم يكن قد حسم في طبيعة الغابة؛ أهي مورد اقتصادي خاضع للسيادة الوطنية أم تراث بيئي عالمي مشترك؟ هذا الغموض في الهوية القانونية جعل الغابات تتحرك في “منطقة رمادية” بين القانون الدولي البيئي والاقتصاد السياسي للتنمية [6].

وقد ساهم هذا الإخفاق في إعادة توجيه الجهود نحو الاتفاقيات الثلاث المخرجة من قمة ريو (المناخ، التنوع البيولوجي، والتصحر)، حيث جرى دمج البعد الغابوي ضمن فصولها التنفيذية بدلا من صياغة إطار خاص به. ومن هنا بدأ التحول نحو مقاربة وظيفية تعتبر الغابات عنصرا مساعدا لتحقيق أهداف المناخ، بدل أن تكون غاية مستقلة للحماية، وهو المسار الذي سيعمق لاحقا في اتفاقيتي كيوتو وباريس.

وهكذا، مثل فشل التوصل إلى اتفاقية دولية للغابات نقطة مفصلية في تاريخ القانون البيئي الدولي، إذ كشف عن حدود المقاربة التوافقية التي تهيمن على المفاوضات متعددة الأطراف، وأبرز كيف يمكن لتضارب المصالح الاقتصادية بين الشمال والجنوب أن يعطل بناء أطر قانونية ملزمة، حتى في مواجهة قضايا تعتبر مصيرية للبشرية جمعاء.


ترقبوا المحور الثاني.. 

اتفاقية التنوع البيولوجي وبروتوكول ناغويا – السيادة على الموارد وتقاسم المنافع

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق