أكد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أن إصلاح المنظومة الجبائية بالمغرب لم يعد رهانه مقتصرا على تعبئة الموارد المالية أو تطوير الترسانة القانونية، بل أصبح مرتبطا أساسا بقدرة الدولة على بناء الثقة وترسيخ شرعية ضريبية تعزز الامتثال الطوعي وتكرس مبدأ المساواة أمام القانون.
وأوضح بنعليلو، في مداخلة افتتاحية خلال المنتدى الثالث لأساتذة المالية العامة المنعقد بمدينة طنجة حول موضوع “السياسة الجبائية في المغرب على محك المواطنة الضريبية”، أن مستقبل السياسة الجبائية يقاس بمدى قدرتها على جعل احترام القانون السلوك الطبيعي للملزمين، وترسيخ قناعة بأن الامتثال الضريبي أكثر جدوى من التهرب، وأن النزاهة أكثر فائدة من التحايل.
وأضاف أن الاستثمار الحقيقي في المجال الجبائي هو الاستثمار في الثقة، باعتبارها الركيزة التي تساهم في توسيع الوعاء الضريبي، وتعزيز الامتثال الطوعي، وتقوية شرعية الدولة، وجعل الضريبة أداة لدعم المواطنة وسيادة القانون وتحقيق التنمية المستدامة.
وشدد رئيس الهيئة على أن الضريبة ليست مجرد التزام قانوني أو وسيلة لتمويل النفقات العمومية، وإنما تعكس طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، موضحا أن مشروعيتها ترتبط بإحساس المواطنين والمقاولات بعدالة توزيع الأعباء والاستفادة المنصفة من الخدمات العمومية، وبالتطبيق المتساوي للقانون دون تمييز أو انتقائية.
وأكد أن نجاح أي إصلاح جبائي لا يقاس بعدد التعديلات التشريعية، وإنما بقدرته على تغيير سلوك الملزمين وتعزيز الشعور بالإنصاف، مشيرا إلى أن الشرعية الضريبية تتأسس أيضا على جودة الخدمات الإدارية، ووضوح المساطر، واستقرار التأويلات القانونية، وسرعة البت في المنازعات، بما يجعل تبسيط علاقة المواطن بالإدارة أحد مفاتيح الإصلاح.
وأوضح بنعليلو أن العدالة الجبائية تقوم على ثلاثة مرتكزات متكاملة، تتمثل في عدالة توزيع العبء الضريبي، وعدالة توزيع المنافع عبر خدمات عمومية ذات جودة، ثم المساواة في تطبيق القانون، محذرا من أن أي خلل في أحد هذه الأبعاد ينعكس مباشرة على مستوى الثقة ويضعف الامتثال الضريبي.
وفي السياق ذاته، اعتبر أن توسيع الوعاء الضريبي يجب أن ينظر إليه باعتباره آلية لتحقيق العدالة بين جميع الملزمين، وليس مجرد وسيلة لزيادة المداخيل، مشيرا إلى أن استمرار جزء من الأنشطة الاقتصادية خارج المنظومة الضريبية يفرض أعباء إضافية على الفاعلين الملتزمين ويؤثر سلبا على الثقة في النظام الجبائي.
كما شدد على أن الإعفاءات والتحفيزات الجبائية ينبغي أن تظل مرتبطة بأهداف اقتصادية واضحة، وأن تخضع لتقييم دوري، حتى لا تتحول إلى امتيازات دائمة تمس بمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة بين الملزمين.
وربط رئيس الهيئة بين الفساد والتهرب الضريبي والاقتصاد غير المهيكل، معتبرا أنها مظاهر لاختلال واحد يتمثل في إضعاف سيادة القانون، داعيا إلى اعتماد مقاربة استباقية لإدارة المخاطر، ترتكز على تكامل المعطيات، وتحليل المخاطر، والحد من الثغرات التي تسمح بالفساد أو التهرب، بما يعزز فعالية التدخل العمومي ويرسخ الثقة في المؤسسات.




















عذراً التعليقات مغلقة