حمضي: “بونديبوجيو” ترفع اليقظة… والمغرب مطمئن دون تهاون

ECO1721 مايو 2026

حمضي: “بونديبوجيو” ترفع اليقظة… والمغرب مطمئن دون تهاون
إيمان بنسعيد

في ظل إعلان منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ صحية دولية بسبب تفشي سلالة “بونديبوجيو” النادرة من فيروس إيبولا، يؤكد الدكتور الطيب حمضي أن المغرب يواجه الوضع بمنطق الوقاية والاستباق، مع تعزيز المراقبة الصحية والحاجز الوبائي بالمنافذ الحدودية، في وقت يظل فيه الخطر منخفضا رغم اليقظة المتواصلة.

صرح الدكتور الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، لجريدة إيكو 17, بأن إعلان منظمة الصحة العالمية حالة “طوارئ صحية عامة تثير قلقا دوليا” بسبب تفشي فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، لا يعني وجود خطر جائحة عالمية وشيكة، وإنما يعكس الحاجة إلى تعبئة دولية عاجلة وتنسيق صحي عالمي من أجل حصر الفيروس ومنع توسعه الجغرافي، خاصة في ظل غياب أي لقاح أو علاج فعال ضد السلالة المنتشرة حاليا، وهي سلالة “بونديبوجيو” (Bundibugyo ebolavirus)، التي تعد من السلالات النادرة والشديدة الفتك، إذ قد تصل نسبة الوفيات الناتجة عنها إلى حوالي 50%.

وأوضح حمضي أن السلالة الحالية تختلف عن سلالة “زائير” (Zaire ebolavirus)، التي كانت وراء موجات التفشي السابقة، والتي تتوفر ضدها لقاحات وأدوية فعالة نسبيا، بينما لا يوجد إلى حدود الساعة أي لقاح أو علاج نوعي معتمد ضد سلالة “بونديبوجيو”، وهو ما يفسر حالة التأهب والقلق الدوليين. وأضاف أن المغرب، مثل باقي دول العالم، يعتمد اليوم على الوقاية والرصد المبكر والخبرة المتراكمة في تدبير الأوبئة لمواجهة أي خطر محتمل.

لماذا أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ صحية دولية؟
أكد حمضي أن إعلان حالة الطوارئ الصحية العالمية لا يعني أن العالم أمام جائحة شبيهة بالأوبئة التنفسية الكبرى، وإنما يهدف أساسا إلى حشد التنسيق والتعاون بين مختلف الدول لاحتواء الفيروس ومنع توسعه الجغرافي، خاصة أن الوضع الحالي يختلف عن موجات التفشي السابقة.

وأوضح الباحث نفسه بأن جمهورية الكونغو الديمقراطية وعددا من الدول الإفريقية عرفت خلال السنوات الماضية موجات متعددة من فيروس إيبولا خلفت آلاف الوفيات، غير أن السلالة المنتشرة آنذاك كانت غالبا سلالة “زائير”، التي تتوفر ضدها لقاحات وأدوية معترف بها دوليا، ما كان يسمح بمحاصرة الوباء والتكفل بالمصابين بشكل أفضل. أما اليوم، فالسلالة المنتشرة هي “بونديبوجيو”، وهي من السلالات التي لا يتوفر ضدها أي لقاح أو علاج نوعي، وهو ما يفسر القلق الدولي الحالي.

وأضاف أن هناك عدة عوامل تزيد من خطورة الوضع الراهن، أولها أن المنطقة المصابة تضم عددا كبيرا من العمال المتنقلين، خاصة في المناجم، وهو ما يرفع من احتمالات انتقال العدوى بين المناطق والدول. كما أن المنطقة حدودية وغير مستقرة أمنيا، إضافة إلى وجود صراعات وصعوبات ميدانية تعرقل تطبيق الإجراءات الاحترازية وتتبع المخالطين، فضلا عن تنقل السكان المستمر من منطقة إلى أخرى. ومع غياب اللقاح والعلاج، تصبح الوقاية والتدخل السريع الوسيلة الأساسية لمنع انتشار المرض.

كيف ينتقل فيروس إيبولا؟
شدد الخبير في السياسات والنظم الصحية على أن فيروس إيبولا لا ينتقل عبر الهواء، وهو عامل مهم يحد من سرعة انتشاره مقارنة بالأمراض التنفسية، لكنه ينتقل أساسا عبر الملامسة المباشرة لسوائل جسم الشخص المصاب، مثل الدم، واللعاب، والقيء، والإسهال، والبول، أو عبر ملامسة الأدوات والأسطح الملوثة بهذه السوائل، مشيرا إلى أن بعض أنواع الخفافيش التي تتغذى على الفواكه تعد المستودع الطبيعي للفيروس، وتبدأ دورة انتقاله غالبا عندما تحتك الحيوانات البرية، مثل القردة والشمبانزي، بالفواكه أو البيئات الملوثة بهذه الخفافيش. بعد ذلك، تنتقل العدوى إلى الإنسان عبر التعامل مع الحيوانات المصابة أو استهلاك لحومها دون طهي جيد، ثم تنتقل لاحقا من إنسان إلى آخر عبر ملامسة السوائل البيولوجية للمصابين.

كما أكد أن أخطر مراحل انتقال العدوى تكون أثناء التعامل مع المرضى دون وسائل وقاية، أو خلال مراسم الدفن وغسل الموتى، لأن الجثامين تكون شديدة العدوى، ويكون الدم والسوائل البيولوجية محملين بكميات كبيرة من الفيروس، ما يزيد من خطر انتقاله إلى الأسرة والمخالطين والأشخاص الذين لا يتخذون الاحتياطات اللازمة.

ما هي أعراض المرض وفترة الحضانة؟
أكد الدكتور الطيب حمضي أن فترة حضانة المرض تتراوح بين يومين و21 يوما، بمتوسط يتراوح بين خمسة وعشرة أيام، ولا يكون الشخص معديا خلال هذه المرحلة، وهو ما يمنح السلطات الصحية فرصة مهمة لرصد الحالات المشتبه بها وتتبع المخالطين قبل ظهور العدوى، مضيفا أن الأعراض الأولى تكون مشابهة لعدد من الأمراض الأخرى، إذ تبدأ عادة بحمى شديدة ومفاجئة، وصداع، وآلام في العضلات والمفاصل، ثم تتطور لاحقا إلى اضطرابات هضمية حادة مثل القيء والإسهال، وقد تظهر في المراحل المتقدمة أعراض نزفية وطفح جلدي وارتفاع كبير في درجة الحرارة. وإذا لم يتم التكفل بالمصابين بسرعة وفعالية، فإن نسبة الوفيات قد تكون مرتفعة جدا، إذ قد يتوفى شخص واحد تقريبا من بين كل مصابين.

هل هناك خطر على المغرب؟
أضاف الدكتور الطيب حمضي أن الخطر الإجمالي لدخول فيروس إيبولا إلى المغرب وانتشاره مجتمعيا يظل منخفضا، غير أن حالة اليقظة الصحية تبقى ضرورية ومستمرة بقوة، خاصة في ظل الروابط الجوية والبشرية المهمة التي تجمع المغرب بدول إفريقيا جنوب الصحراء.

وأوضح أن مطار محمد الخامس الدولي يشكل أحد أهم محاور الربط الجوي بين إفريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا، حيث تمر عبره أعداد مهمة من المسافرين القادمين من الدول الإفريقية، سواء في رحلات مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما يفرض تعزيز المراقبة الصحية الوقائية بالمنافذ الحدودية دون المساس بحرية التنقل والسفر.

وأشار إلى أن طبيعة انتقال فيروس إيبولا تساعد على التحكم فيه بشكل أكبر مقارنة بالأمراض المنقولة عبر الهواء، لأن الشخص المصاب لا يكون ناقلا للعدوى إلا بعد ظهور الأعراض، وهو ما يمنح السلطات الصحية فرصة لرصد الحالات المشتبه بها وعزلها قبل توسع دائرة الانتشار.

وأضاف كذلك أن المغرب يمتلك خبرة مهمة في تدبير الأوبئة والأزمات الصحية، كما يتوفر على مختبرات وتجهيزات قادرة على الكشف الدقيق عن الفيروسات، بما في ذلك عبر تقنيات متقدمة مثل اختبار PCR، الذي يتيح تشخيص الإصابة بشكل موثوق. وهذه الإمكانيات العلمية واللوجيستيكية، إلى جانب منظومة الرصد الوبائي والتنسيق الصحي، تجعل احتمال انتشار الفيروس داخل التراب الوطني ضعيفا، وتمنح السلطات قدرة أكبر على الاحتواء والتدخل المبكر.

ما هي الاحتياطات المتخذة في المغرب؟
أكد حمضي أن الاستراتيجية المغربية تعتمد على وضع حاجز وبائي استباقي يهدف إلى اعتراض الفيروس عند الحدود، لأن خطر حدوث انتشار داخلي يبقى ضعيفا جدا إذا لم تتمكن أي حالة وافدة من اختراق منظومة المراقبة الصحية بالمطارات والمنافذ الحدودية، موضحا أن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، بتنسيق مع مختلف القطاعات الحكومية المعنية، ترتكز في خطتها على عدة إجراءات أساسية، من بينها تعزيز المراقبة الصحية بالمطارات والموانئ والمعابر البرية، واعتماد المراقبة الحرارية عبر الكاميرات الحرارية في نقاط الوصول، خاصة على مستوى مطار محمد الخامس الدولي، إضافة إلى اعتماد البطاقات الصحية والتصاريح الطبية الخاصة بالمسافرين القادمين أو العابرين من المناطق المعنية، بما يسمح بتتبعهم طوال فترة الحضانة القصوى المحددة في 21 يوما.

وأضاف أيضا أن الإجراءات الوقائية تشمل أيضا تعبئة المختبرات المرجعية الوطنية لتكون قادرة على إجراء التشخيص السريع والدقيق بتقنية PCR في ظروف أمان بيولوجي عالية، مع التأكد من حساسية الفحوصات تجاه هذه السلالة لتفادي النتائج السلبية الكاذبة. كما تشمل تجهيز وحدات العزل، خاصة الغرف ذات الضغط السلبي بالمستشفيات المرجعية، للتكفل بالحالات المشتبه بها دون تعريض الأطقم الطبية أو المرضى الآخرين لخطر العدوى، مشيرا إلى أن الخطة تشمل كذلك تكوين وتحسيس مهنيي الصحة بطرق التعامل مع الحالات المحتملة، إضافة إلى اعتماد بروتوكولات صارمة لتعقيم الطائرات والتعامل مع أي حالة اشتباه قد تظهر أثناء الرحلات الجوية، عبر عزلها والتنسيق لنقلها وفق المعايير الصحية المعتمدة.

وقد أكد الدكتور الطيب حمضي أن مواجهة الأوبئة العابرة للحدود لا تعتمد فقط على الإجراءات الداخلية، بل تقتضي أيضا تعزيز التعاون الدولي ودعم الأنظمة الصحية في الدول المتضررة، سواء عبر الدعم البشري أو العلمي أو اللوجيستيكي أو المادي، لأن الأمن الصحي العالمي يظل مترابطا، وسلامة الدول مرتبطة بقدرتها الجماعية على حصر الفيروسات في بؤرها الأصلية ومنع انتشارها، مضيفا أن الهدف ليس عزل المسافرين أو إغلاق العالم، وإنما مساعدة الدول المتضررة على محاصرة الفيروس وعلاج المصابين وتقوية أنظمتها الصحية، لأن حماية الدول الأخرى تبدأ من احتواء المرض في مصدره الأصلي.

وتجدر الإشارة إلى أن فيروس إيبولا تم اكتشافه لأول مرة سنة 1976 في كل من جمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان، وقد تسبب منذ ذلك الحين في عدة أوبئة كبرى، كان أبرزها وباء غرب إفريقيا بين سنتي 2013 و2016، والذي أظهر أهمية التنسيق والتعاون الصحي الدوليين.

وتوجد عدة سلالات لهذا الفيروس، ثلاث منها مسؤولة عن المرض لدى البشر، وهي: سلالة زائير (Zaire ebolavirus)، وسلالة السودان (Sudan ebolavirus)، وسلالة بونديبوجيو (Bundibugyo ebolavirus). وعلى عكس سلالة زائير، لا يوجد حاليا أي لقاح أو علاج نوعي معتمد ضد السلالتين الأخيرتين.

كما أن السلالة الحالية التي تم تحديدها في جمهورية الكونغو الديمقراطية هي سلالة بونديبوجيو، وهي سلالة نادرة لا يتوفر لها لقاح محدد إلى حدود الساعة، ما يجعل الوقاية، والكشف المبكر، والعزل السريع للحالات، وتتبع المخالطين، أهم الوسائل المعتمدة عالميا للحد من انتشار المرض والسيطرة عليه.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق