بيت زجاجي ذكي في فمّ الواد: منصة علمية لتحويل حرارة الصحراء وملوحتها إلى فرص للزراعة المستدامة

ECO1725 سبتمبر 2025

بيوت زجاجية

البيوت الزجاجية ،أو الدفيئات،هي منصات تضبط عناصر النمو النباتي بدقة عبر حساسات وأنظمة تحكم تتحكم في الحرارة والرطوبة والإضاءة ومستويات الملوحة. بهذه البنية المغلقة يمكن محاكاة مناخات متباينة، واختبار أصناف وتقنيات سقي وتغذية قبل نقلها إلى الحقول، ما يحول العلم من افتراضات عامة إلى قرارات زراعية مبنية على معطيات.

في فمّ الواد بجهة العيون الساقية الحمراء، يشغل المعهد الإفريقي للأبحاث الزراعية المستدامة التابع لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية بيتا زجاجيا بحثيا ذكيا يعد الأول من نوعه في المملكة بهذه المواصفات، بحيث تترجم أسئلة الزراعة في البيئات الجافة إلى تجارب قابلة للقياس، والغاية هي ابتكار حلول عملية تخدم سلاسل الإنتاج في الأقاليم الجنوبية وتدعم الفلاحين في مواجهة موجات الحر والرياح وندرة المياه.

تبدأ التجربة من قاعة تحكم تتم منها إدارة كل عناصر النمو بدقة: ترفع الحرارة وتخفض، تضبط الرطوبة، يحاكى الإشعاع الشمسي، وتعدل ملوحة المياه والتربة خطوة بخطوة. يمتد البيت على مساحة 500 متر مربع ويتكون من تسع وحدات مستقلة، تمثل كل واحدة منها سيناريو مناخيا مختلفا يجمع بين حرارات متباينة، هواء أشد جفافا أو أكثر رطوبة، ومستويات ملوحة متدرجة. بهذه المقارنات المتوازية تتولد معطيات واضحة حول حدود تحمل النبات، وتستخرج منها وصفات دقيقة للاختيار الصنفي ونظم السقي والتسميد الملائمة لكل واقع محلي.

الفكرة هي تحويل القيود الطبيعية إلى متغيرات قابلة للضبط والاختبار؛ فتجرب أصناف مقاومة للملوحة والحرارة، وتختبر تقنيات اقتصاد المياه مثل السقي النبضي والجدولة المعتمدة على الاستشعار، وتعاير جرعات التغذية لتقليل الهدر ورفع الكفاءة تحت الإجهاد الملحي والحراري. ومع تراكم الدورات التجريبية، تبنى “خرائط قرار” تساعد المنتجين على الإجابة العملية عن سؤالين أساسيين: ماذا نزرع؟ وكيف ندير الماء والغذاء النباتي بأقل كلفة وأعلى مردودية؟

لا يقف الدور عند حدود المختبر؛ فالمعهد ينقل المعرفة إلى الحقول عبر تدريب الفلاحين والتعاونيات على قراءة بيانات المناخ المحلي واستعمال أدوات بسيطة لاتخاذ القرار اليومي: توقيت السقي وكمياته، اختيار الأصناف المتكيفة، طرق التعامل مع موجات الحر أو رياح السموم، وكيفية الحد من أثر الملوحة على الإنتاج. ومع كل موسم تختبر الوصفات في مزارع تجريبية وشبه تجريبية، لتتحول النتائج إلى بروتوكولات جاهزة للتبني على نطاق أوسع.

بهذه المقاربة، يصبح البيت الزجاجي قناة سريعة من الفكرة العلمية إلى التطبيق الميداني، ويساهم في بناء زراعة أكثر صمودا في وجه تغير المناخ وندرة المياه. النتيجة المتوخاة ليست زيادة الإنتاج فحسب، بل أيضا خفض كلفة المدخلات وتحسين كفاءة استخدام الماء والطاقة.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق