الفيضانات تختبر الدولة القانونية: إعلان المناطق المنكوبة وحدود تفعيل صندوق الكوارث
تكشف الفيضانات التي عرفها المغرب خلال شتاء 2025-2026 عن تحول عميق في طبيعة المخاطر المناخية، حيث لم تعد السيول أحداثا ظرفية معزولة، بل صارت سلسلة ممتدة زمانيا ومجاليا، بدأت من مدينة آسفي الواقعة على الساحل الأطلسي بوسط غرب المغرب، قبل أن تمتد إلى أقاليم الغرب والشمال الغربي. وقد نقل هذا الامتداد المتدرج الفيضانات من منطق التدخل الاستعجالي إلى اختبار حقيقي لنجاعة الترسانة القانونية وقدرتها على حماية الحقوق وضمان الإنصاف.
مع ارتفاع أعداد المتضررين واتساع رقعة الإجلاء، لم يعد النقاش مقتصرا على حجم التدخلات الميدانية، بل انتقل إلى سؤال جوهري يتعلق بإعلان المناطق المنكوبة وتفعيل الضمانات القانونية المرتبطة بجبر الضرر والعدالة المجالية، وعلى رأسها تفعيل صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية.
اتساع رقعة الأضرار وتعدد المجالات المتضررة
شكلت فيضانات آسفي، منذ منتصف دجنبر 2025، أولى مؤشرات هذا الموسم المطري الاستثنائي، مخلفة أضرارا جسيمة في الأحياء المنخفضة والبنيات التحتية الحضرية. ويكتسي هذا المعطى دلالة خاصة، بالنظر إلى موقع المدينة الجغرافي كمدينة ساحلية بوسط غرب المغرب، حيث تتقاطع مخاطر التساقطات الغزيرة مع محدودية شبكات تصريف المياه والتوسع العمراني غير المتحكم فيه.
ومع توالي التساقطات وارتفاع منسوب الأودية وتصريف مياه بعض السدود، انتقلت الفيضانات إلى أقاليم الغرب والشمال الغربي، خاصة القصر الكبير، العرائش، سهول الغرب، وحوض سبو. وقد شملت الخسائر المساكن الهشة، الأراضي الزراعية، رؤوس الماشية، والمسالك القروية والبنيات الأساسية، ما عمق الكلفة الاجتماعية والاقتصادية للكارثة، وكشف عن هشاشة مجالات ترابية واسعة أمام المخاطر المناخية.
إعلان المناطق المنكوبة مدخل قانوني للإنصاف
يشكل إعلان المناطق المنكوبة الآلية القانونية الأساسية التي تفتح الباب أمام تفعيل مساطر التعويض وجبر الضرر. ويرتبط هذا الإعلان، وفق التشريع الوطني، بمرسوم حكومي يصدر بعد تقييم رسمي لحجم الأضرار وحدتها ونطاقها الترابي. غير أن غياب هذا القرار، أو تأخره، يضع آلاف المتضررين في وضعية انتظار قانوني، رغم وضوح الخسائر وثبوتها ميدانيا.
ويطرح هذا الوضع إشكالا حقيقيا على مستوى العدالة والنجاعة، إذ يتحول الإعلان من أداة لحماية المتضررين إلى قيد إجرائي قد يعرقل الولوج الفعلي إلى الحقوق. كما يفتح ذلك النقاش حول مدى ملاءمة المساطر الحالية مع واقع الكوارث المناخية المتسارعة، التي تتطلب قرارات أكثر سرعة ومرونة، دون الإخلال بمبدأ المشروعية القانونية.
الالتزامات الدستورية والعدالة المجالية
يفرض الدستور المغربي على الدولة التزاما صريحا بحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وضمان المساواة والعدالة المجالية. وتكتسي هذه الالتزامات أهمية مضاعفة في سياق الكوارث الطبيعية، حيث يصبح تدخل الدولة واجبا دستوريا يرتبط بحماية الحق في السكن والعيش الكريم والأمن الاجتماعي.
وقد أبرزت فيضانات آسفي، ثم امتدادها إلى مجالات أكثر هشاشة في الغرب والشمال الغربي، تفاوتا واضحا في الجاهزية والبنيات الوقائية وقدرات التدخل. وهو تفاوت يعيد إلى الواجهة سؤال توزيع الاستثمار العمومي، وجودة التخطيط الترابي، وربط السياسات القطاعية بمعايير السلامة المناخية، بدل الاقتصار على منطق التدبير اللاحق للأزمات.
صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية بين النص والتفعيل
يعد صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية الآلية المالية المركزية التي أحدثها المشرع لجبر الأضرار غير القابلة للتغطية التأمينية، خاصة لفائدة الأفراد والأسر ذات الدخل المحدود. وقد عززت موارده خلال سنة 2025 برفع نسبة رسم التضامن، في خطوة هدفت إلى تقوية قدرته التمويلية واستباق تنامي المخاطر.
غير أن تفعيل الصندوق يظل رهينا بشرط الإعلان الرسمي عن الواقعة الكارثية، وهو ما يضعه اليوم أمام اختبار حقيقي. فالتشدد الإجرائي في سياق طوارئ مناخية متكررة قد يحول الصندوق من أداة حماية اجتماعية إلى إطار مؤجل الأثر، ويؤجل الإنصاف في أكثر اللحظات استعجالا.
وتثير هذه الوضعية، في السياق المغربي، نقاشا حقوقيا متزايدا حول ضرورة تبسيط المساطر الإدارية المرتبطة بتدبير آثار الكوارث الطبيعية، وتعزيز الشفافية في تحديد المستفيدين من التعويضات، فضلا عن توسيع نطاق إشراك الجماعات الترابية ومكونات المجتمع المدني في تتبع عمليات الإحصاء وجبر الأضرار.
وينظر إلى هذه المتطلبات باعتبارها شروطا أساسية للحفاظ على الثقة في المؤسسات العمومية، والوقاية من تحول الكوارث الطبيعية، ولا سيما الفيضانات إلى أزمات اجتماعية ممتدة ذات كلفة اقتصادية وحقوقية متزايدة.




















عذراً التعليقات مغلقة