الحرق والدفن والحظر: مدن إندونيسيا تكافح لإدارة قمامتها

ECO1727 يوليو 2025
الحرق والدفن والحظر: مدن إندونيسيا تكافح لإدارة قمامتها

تتصاعد في إندونيسيا، خلال السنوات الأخيرة، أزمة إدارة النفايات بشكل ينذر بالخطر، حيث تتكدس القمامة في السهول وعلى الشواطئ، وتتسلل إلى الأنهار والطرقات، بينما تكافح الحكومات المحلية تحت ضغط التشريعات والمجتمع المدني. تفرض الدولة قوانين صارمة، وتحذر من الإهمال، لكن البنية التحتية المحدودة، والفساد، والممانعة المجتمعية، تشكل جدارا سميكا أمام أي إصلاح. وفي هذا السياق، تشتد معركة متعددة الجبهات، بين جهود الدولة، واحتجاجات السكان، وتحديات الواقع.

مؤخرا، تدفقت شاحنات النفايات بشكل مفاجئ نحو شواطئ إندونيسيا، وألقت بحمولتها الملوثة في مواقع سياحية حساسة دون سابق إنذار، إذ شهد شاطئ باندانساري قرب مدينة يوجياكارتا نموذجا صارخا لهذا العبث، حيث غمرت الرمال بما يناهز 1800 متر مكعب من النفايات، تشمل مخلفات منزلية وصناعية وطبية، في مشهد أثار سخط السكان المحليين والناشطين البيئيين.

وقد فرضت الحكومة المركزية في أبريل الماضي حظرا صارما على الإغراق المكشوف، وأمرت بإغلاق 343 مكبا عشوائيا.مستندة على قانون 2008،إدارة النفايات الصلبة رقم 18، الذي ظل لسنوات دون تطبيق فعال، رغم خطورته. ألزم القانون البلديات بتقليص حجم النفايات من المصدر، من خلال اعتماد الفرز وإعادة التدوير والتسميد. وأصبح الإهمال أو التهاون في تطبيقه يعرض المسؤولين المحليين لعقوبات قد تصل إلى سنة سجنا نافذا.

استجابت بعض السلطات المحلية بسرعة، حيث نظم حاكم بالي لقاء مع أكثر من ألفي مسؤول محلي، دعاهم خلاله إلى حظر البلاستيك أحادي الاستخدام وتشجيع فرز النفايات في المنازل، إذ ربط بين الأداء البيئي المحلي وتخصيص التمويلات، إذ منح تحفيزات مالية للقرى المنخرطة، بينما هدد بحرمان المقصرين من دعم المقاطعة.

واجهت هذه الجهود مقاومة قوية من داخل المجتمع. تمسك المواطنون بعقلية ترى أن تدبير القمامة مسؤولية حكومية محضة. كما رفض العديد منهم أداء رسوم إضافية أو المشاركة في عمليات الفرز، مما أعاق التحول نحو نمط إنتاج واستهلاك دائري.

أعلنت الحكومة نيتها في استخدام الحرق كخيار مكمل. كما أدرجت ضمن مخططها الطاقي بندا خاصا بحرق القمامة لإنتاج الكهرباء. وقد واجه هذا الخيار انتقادات واسعة من قبل السكان وخبراء البيئة، خاصة بسبب الرطوبة العالية للنفايات العضوية وما تسببه من روائح كريهة وانبعاثات سامة، كما حدث في شمال جاكرتا حيث تعطل مشروع لتوليد الوقود نتيجة احتجاجات السكان.

وكشفت الأزمة وجها آخر أكثر تعقيدا يتمثل في الفساد الإداري. اعتقلت السلطات في تانغيرانغ الجنوبية مسؤولا بيئيا رفيعا، بتهمة اختلاس ملايين الروبيات من صفقة لنقل النفايات. أثبت التحقيق أنه تخلص من النفايات سرا في أراض غير مرخصة، ما أثار موجة غضب شعبية وسلط الضوء على ثغرات الرقابة.

كما ظلت مناطق مثل يوجياكارتا وبانتول تواجه تحديات كبيرة. اضطرت السلطات إلى إعادة فتح مكب “بيايونغان” المغلق، بسبب غياب بدائل. وشرعت كذلك خلال الأسابيع الأخيرة في إزالة القمامة المتراكمة على شاطئ باندانساري، استعدادا لمهرجان الطائرات الورقية الذي يجذب الزوار والسياح.

كما أكد المراقبون أن تجاوز هذه الأزمة يتطلب إصلاحات عميقة، وشددوا على ضرورة تحسين التمويل العمومي، وتوسيع البنية التحتية الخاصة بالفرز والمعالجة، والعمل على تغيير سلوكيات الأفراد تجاه النفايات. واعتبروا أن نجاح هذه السياسات مشروط بوجود إرادة سياسية قوية، تطبق القانون بصرامة وتحفز المشاركة المجتمعية.

سجلت إندونيسيا كذلك خلال سنة 2005 كارثة بيئية مؤلمة، حين انهار جدار من النفايات في سيماهي شرق جاكرتا، وأودى بحياة أكثر من 140 شخصا. بقي هذا الحادث جرحا غائرا في ذاكرة البلاد، لكنه لم يكن كافيا لتغيير عميق. اليوم، يلوح أمل جديد، لكنه يواجه تحديات لا تحصى.

تتأرجح إندونيسيا بين أمل الإصلاح وكوابيس التدهور البيئي، حيث لم تعد النفايات مجرد مشكلة تقنية، بل تحولت إلى مرآة تعكس طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، بين القوانين وسلوك المجتمع. في هذه المعركة، يكتب مستقبل البيئة في الأرخبيل، وتطرح أسئلة عميقةمن قبيل، هل تنتصر الصرامة والشفافية؟ أم تبقى الشواطئ الجميلة رهينة لتلال القمامة؟

المصدر عن بوابة مونگاباي - بتصرف
التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق