المنتزه الوطني لتازكة.. تراث طبيعي في قلب الأطلس

ECO1728 أكتوبر 2025

المنتزه الوطني لتازكة.. تراث طبيعي في قلب الأطلس
إيمان بنسعيد

أحدث المنتزه الوطني تازكة Tzekka سنة 1950 في الجزء الشمالي من الأطلس المتوسط، على بعد نحو عشرين كيلومترا من مدينة تازة، بمساحة أولية ناهزت 680 هكتارا قبل أن تتوسع تدريجيا لتصل إلى حوالي 12000 هكتار سنة 2025. ويقع المنتزه على ارتفاع يتراوح بين 1400 و1980 مترا عند قمة تازكة، في منطقة جبلية ذات تضاريس وعرة وغابات كثيفة من أرز الأطلس والبلوط الفليني والزان، وهو من أقدم المنتزهات الوطنية بالمغرب التي أنشئت بغرض الحفاظ على الغابات الجبلية والتنوع البيولوجي.

تمت توسعة المنتزه استجابة لمتطلبات صيانة الموارد الطبيعية والتنوع الإيكولوجي، فقسم إلى ثلاث مناطق رئيسية تختلف في درجة الحماية والتدبير: محمية طبيعية مطلقة على مساحة 115 هكتارا تخصص للحفاظ على البيئة الأصلية دون تدخل، ومحمية طبيعية مدبرة على 2497 هكتارا لصون الأصناف النادرة وإعادة توطين الأنواع البرية، ومنطقة تدبير الموارد الطبيعية على مساحة 10125 هكتارا تستغل في الرعي والسياحة البيئية والمشاريع المستدامة.

أولا:الوضع الإيكولوجي الراهن

يلعب منتزه تازكة دورا حيويا في توازن النظام البيئي المحلي بفضل غطائه الغابوي الذي يشكل خزانا طبيعيا للمياه يغذي المنحدرات الشرقية والجنوبية للجهة، ويسهم في الحد من الانجراف الترابي وتنظيم المناخ المحلي. غير أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2023 أشار إلى أن المنتزه يعد من بين المواقع الأكثر تعرضا للضغط الرعوي، إلى جانب منتزهات إفران وتوبقال وخنيفيس، حيث تجاوزت مستويات الاستغلال المعدّل الوطني نتيجة ضعف مراقبة المراعي وتداخل استعمالات الأراضي داخل محيط المنتزه.

ويضيف التقرير أن تطبيق المقتضيات القانونية المنظمة للرعي داخل المنتزهات لا يزال محدودا بسبب غياب لوائح دقيقة بأسماء المستفيدين وعدد رؤوس الماشية، مما يضعف فعالية التدبير الميداني. كما أشار إلى ضغوط زراعية في الأطراف الجنوبية للمنتزه تهدد التجدد الطبيعي لأنواع الأرز والبلوط.

ثانيا:التنوع البيولوجي

يعتبر المنتزه الوطني لتازكة من أغنى المنتزهات المغربية من حيث التنوع البيولوجي؛ إذ يضم أكثر من 506 نوع نباتي موثق، أبرزها أرز الأطلس Cedrus atlantica والبلوط الزان Quercus faginea والبلوط الفليني Quercus suber، إلى جانب نباتات عطرية وطبية عديدة. كما يعد فضاء مهما للحفاظ على الأصناف الحيوانية النادرة، حيث أعيد إدماج الأيل البربري Cervus elaphus barbarus في منتصف التسعينات ضمن برنامج وطني لإعادة التوطين.

ويضم المنتزه كذلك 27 نوعا من الثدييات، و27 نوعا من الطيور منها العقاب البونيلي والبومة الصماء والعرارة الصفراء، و28 نوعا من البرمائيات والزواحف منها ثلاث مستوطنة بالمغرب. وتؤكد الدراسات البيولوجية أن تازكة يمثل مختبرا طبيعيا لتجديد الغطاء الغابوي ومتابعة التغيرات المناخية على النظم الجبلية.

ثالثا: المشاريع والتمويل

عرف المنتزه إدماجا تدريجيا في البرامج الدولية للحفاظ على البيئة؛ فقد استفاد من مشروع منظمة الأغذية والزراعة بين 1998 و2004 بميزانية قاربت 2.94 مليون دولار أمريكي لتدبير الموارد الطبيعية، كما شملته تدخلات برنامج التعاون الألماني ضمن البرنامج العشري الأول (2005–2014) لدعم الحكامة البيئية للمنتزهات الوطنية.

أما على المستوى الوطني، فقد خصص له ضمن الميزانية الجهوية للمياه والغابات اعتماد سنوي لم يتجاوز 1.91 مليون درهم سنة 2016، أي حوالي 2% فقط من مجموع الاعتمادات الجهوية، مما يحد من قدرته على تطوير البنيات التحتية البيئية والسياحة الإيكولوجية.

يمثل منتزه تازكة نموذجا للتوازن بين الغنى الطبيعي والهشاشة البيئية، إذ تجمع مكوناته بين الغطاء الغابوي الكثيف والتنوع الحيوي الفريد من جهة، وضغط الأنشطة البشرية من جهة أخرى. فرغم التحديات المرتبطة بالرعي والتوسع الزراعي وضعف التمويل، لا يزال المنتزه يحافظ على وظائفه البيئية الأساسية، ويعتبر فضاء واعدا للبحث العلمي والسياحة المستدامة إذا ما دعمت آليات الحكامة والمراقبة البيئية على المدى المتوسط.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق