الخبير أحمدالطلحي يجيب عن سؤال: هل يتحقق الإنصاف المناخي في العالم العربي؟

ECO173 أغسطس 2025
الخبير أحمدالطلحي يجيب عن سؤال: هل يتحقق الإنصاف المناخي في العالم العربي؟
إيمان بنسعيد

تواصل جريدة إيكو 17 ECO، في هذا الجزء الثالث، من سلسلتها حول الإنصاف المناخي في العالم العربي، تسليط الضوء على رؤى الخبراء العرب. وبعد أن استعرضنا في الجزءين السابقين شهادتي الدكتور محمد خضر محمد الجبوري من العراق والدكتور أحمد الشريدة من الأردن، نستحضر اليوم شهادة الخبير أحمد الطلحي، خبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية في المغرب، تكشف هشاشة السياسات المناخية العربية وضعف التنسيق، مع إبراز دور الإعلام البيئي في هذه المعركة المصيرية.

إن النقاش في العالم العربي حول سؤال العدالة المناخية، في ظل تفاقم التفاوتات المجالية وضعف التنسيق الإقليمي، ما زال متواصلا ويطرح إشكالات عديدة، تضع المنطقة في قلب التحديات العالمية المرتبطة بتغير المناخ، وفي هذا الصدد، صرح الخبير أحمد الطلحي، بأن الدول العربية ليست سواء فيما يتعلق بسياساتها البيئية، بل إن هناك تفاوتا فيما بينها، وتفاوتا داخل الدولة الواحدة بين مختلف المناطق.

كما أوضح الطلحي أن الحديث عن العدالة البيئية يعني أساسا ما يرتبط بالمكون الثالث للبيئة، أي الوسط البشري، لأن الوسط الطبيعي لا دخل للإنسان فيه، بينما الوسط الحيوي يتضمن ما هو طبيعي وما يتدخل فيه الإنسان بدرجات متفاوتة، مضيفا أن عناصر الوسط البشري متعددة، ومن الأفضل إجراء مقارنات بين الدول العربية في كل عنصر على حدة. وضرب مثالا بالمناطق الخضراء داخل المجال الحضري، متسائلا، عن وجود عدالة بين أحياء المدينة الواحدة، بين الأحياء الراقية وأحياء الطبقة الوسطى والأحياء الهامشية؟ وهل هناك عدالة بين مدن القطر الواحد؟

وأكد الخبير البيئي كذلك أن المعدل الفردي المطلوب من المساحات الخضراء هو عشرة أمتار مربعة لكل فرد، غير أن المغرب مثلا لا يتجاوز هذه العتبة سوى في مدينة الرباط، موضحا أن داخل المدن المغربية، غالبا ما يكون المعدل ضعيفا في الأحياء العشوائية بخلاف باقي الأحياء، مضيقا أنه يمكن تعميم هذه المنهجية على باقي عناصر الوسط البشري، مثل التطهير السائل، وجمع النفايات المنزلية، وتعميم الماء الصالح للشرب، وتلوث الهواء.

يستشف من هذا الطرح أن العدالة البيئية لا تختزل في خطاب سياسي أو شعارات عامة، بل تتجسد في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين. غياب المساحات الخضراء أو ضعف خدمات التطهير والنفايات أو غياب الماء النظيف، كلها مؤشرات على أن الفقر البيئي يضاعف الفقر الاجتماعي، وأن العدالة المناخية تبدأ من المجال الحضري المحلي قبل أن تمتد إلى السياسات الوطنية أو الإقليمية.

انتقل الطلحي أيضا إلى الحديث عن التنسيق العربي في مجال المناخ، مؤكدا أنه لا وجود لتنسيق دائم وفعال، بالرغم من الاجتماعات التي تعقد من حين لآخر بين وزراء البيئة العرب. وأضاف أنه في مؤتمرات المناخ، غالبا ما تقتصر المشاركة العربية على لقاءات جانبية للتنسيق بشأن بعض القضايا المطروحة، مؤكدا أنه، إلى حدود الساعة، لا توجد سياسات موحدة تغطي جميع القضايا المناخية.

ومع ذلك، وضع الطلحي مقارنة لافتة بين غياب السياسات الرسمية الموحدة وبين دينامية العمل المدني، حيث أشار إلى أن بعض الشبكات العربية تبذل جهودا لا بأس بها في مجال التنسيق وتشارك في قمم المناخ بوفود موحدة. وخص بالذكر شبكة العمل المناخي؛ فرع العالم العربي، التي وصفها بأنها الأكثر فعالية والأقدر على اتخاذ مواقف موحدة، مبرزا أنه يتشرف بعضويتها منذ سنوات.

ويكشف هذا الواقع حسب الطلحي أن المجتمع المدني العربي غالبا ما يملأ الفراغ الذي تتركه المؤسسات الرسمية، مؤكدا أن مواجهة التغير المناخي تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تتجاوز الحسابات القطرية الضيقة. كما يضع هذا الوضع سؤال القيادة المناخية في المنطقة؛ من يمتلك زمام المبادرة في الدفاع عن حقوق الأجيال القادمة، الحكومات أم الشبكات المدنية؟

أما فيما يتعلق بدور الإعلام البيئي، فقد أوضح الخبير البيئي أنه ليس هناك ؛ حسب علمه ، منابر إعلامية عربية متخصصة في المناخ، وإنما منابر تهتم بالشأن البيئي عموما، وهي قليلة من حيث العدد، مؤكدا أن هذه المنابر باتت تحظى باهتمام متزايد من قبل المختصين والمهتمين بقضايا البيئة والمناخ.

كما أضاف الطلحي، أن موضوع العدالة المناخية أصبح أيضا من القضايا التي يركز عليها الإعلام البيئي العربي، نظرا لكون المنطقة العربية من أكثر المناطق تضررا من التغيرات المناخية، ولأن أغلب الدول العربية دول نامية لا تمتلك الإمكانيات الذاتية لمواجهة هذه الآثار. ويقصد الطلحي بالإمكانيات الذاتية، الوسائل البشرية والمالية والتقنية المسخرة لمواجهة التغير المناخي، فضلا عن تخاذل الملوثين الكبار في دعم الدول النامية، مؤكدا أكد أن الدور المطلوب من الإعلام البيئي العربي هو توجيه الحكومات للاهتمام أكثر بمشاريع التكيف مع آثار التغيرات المناخية بدل التركيز المفرط على مشاريع التخفيض من الانبعاثات، ودفعها في الآن نفسه للضغط على الدول الملوثة ومطالبتها بالالتزام بتعهداتها، خاصة فيما يتعلق بالتمويل المناخي والدعم التقني. كما شدد على أن الإعلام البيئي ينبغي أن يسلط الضوء على التفاوتات المجالية داخل الأقطار العربية نفسها فيما يخص العدالة المناخية والمشاريع البيئية.

وختم الطلحي بالتنويه بالمجهودات التي تبذلها المنابر الإعلامية العربية في ظل محدودية الوسائل وضعف هامش حرية الصحافة وحداثة التخصص البيئي، لكنه دعا إلى الارتقاء بمستوى الأداء والرفع من درجة الجرأة في تغطية القضايا المناخية الحساسة.

يستفاد من هذه الشهادة التي قدمها الطلحي، أن الإنصاف المناخي في العالم العربي يظل بعيد المنال ما لم يتحقق على مستويين متلازمين، بين ضمان عدالة مجالية داخل المدن والأحياء، وبناء موقف عربي مشترك في المحافل الدولية. وهو ما يجعل الإعلام البيئي بمثابة حجر الزاوية الذي يمكن أن يربط بين العلم والسياسة وبين المواطن وصانع القرار، ويحول المناخ من ملف تقني إلى قضية حقوقية وعدالة اجتماعية.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق