إنجاز الخبيرين البيئيين والتنمويين المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة ابوظبي.
والخبير البيئي بنرامل مصطفى، رئيس جمعية منارات الايكولوجية بالمملكة المغربية.
…………………………………
في إطار الاحتفال باليوم العالمي للبيئة لسنة 2025، والذي يحمل شعار “الحد من التلوث البلاستيكي”، يأتي هذا الكتيب كمرجع توعوي مبسط يهدف إلى تسليط الضوء على أثر التلوث البلاستيكي على البيئة وصحة الإنسان، وتقديم حلول عملية قابلة للتطبيق من قبل الأفراد والمجتمعات والمؤسسات.
تم إعداد هذا الكتيب ليكون دليلا شاملا للممارسات البيئية السليمة، من خلال:
• التعريف بخطورة النفايات البلاستيكية على الكائنات الحية والنظم البيئية.
• استعراض الإحصائيات العالمية والمحلية المتعلقة باستخدام البلاستيك.
• تقديم نصائح لتقليل الاعتماد على المواد البلاستيكية أحادية الاستخدام.
• دعم المبادرات الخضراء والتشجيع على إعادة التدوير والابتكار في الاستهلاك.
يستهدف الكتيب فئات المجتمع كافة: الأسر، المدارس، طلاب الجامعات، الموظفين، والمؤسسات، ويُعد خطوة نحو تحقيق رؤية عالم أكثر نظافة واستدامة.
🌱 معًا يمكننا أن نصنع فرقًا – فلنبدأ من اليوم!
………………………………..
في الخامس من يونيو من كل عام، يحتفل العالم بيوم البيئة العالمي، الذي يُعد أكبر منصة عالمية للتواصل البيئي، ويشارك فيه أكثر من 150 دولة لتسليط الضوء على قضايا البيئة الملحة. وفي عام 2025، يحمل هذا اليوم في هذا العام 2025 شعارًا شديد الأهمية: “معًا لإنهاء التلوث البلاستيكي“، تأكيدا على الحاجة المُلِحّة للتصدي لواحدة من أخطر أزمات العصر.
وفقا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة2023 (UNEP)، يُنتج العالم أكثر من 430 مليون طن من البلاستيك سنويا، منها أكثر من ثلثيها يستخدم لمرة واحدة فقط، وتنتهي نسبة كبيرة منها في الطبيعة. وتشير التقديرات إلى أن 11 مليون طن من البلاستيك تدخل المحيطات سنويا، مهددة الحياة البحرية والنظم البيئية الساحلية.
التلوث البلاستيكي… تهديد عالمي متفاقم
يعد التلوث البلاستيكي أحد أخطر التحديات البيئية في القرن الحادي والعشرين، نظرًا لتأثيره الواسع والمستمر على النظم البيئية، وصحة الإنسان، والاقتصادات العالمية. فقد بات البلاستيك موجودا في كل مكان: في قمم الجبال، في أعماق المحيطات، في أجسام الكائنات الحية، بل وحتى في مياه الشرب والهواء.
- حجم المشكلة بالأرقام: وفقا لتقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)2023، يتم إنتاج أكثر من 430 مليون طن من البلاستيك سنويا، 60% منها مواد بلاستيكية ذات استخدام واحد. الى جانب نحو 11 مليون طن من هذه النفايات البلاستيكية تجد طريقها إلى المحيطات سنويا، ومن المتوقع أن تتضاعف هذه الكمية إلى 29 مليون طن سنويا بحلول 2040 إذا لم تتخذ إجراءات حاسمة. وأكثر من 800 نوع من الكائنات البحرية تأثرت بالفعل بشكل مباشر بالبلاستيك، إما بالابتلاع، أو التشابك، أو التسمم.
- البلاستيك يدوم… إلى الأبد تقريبا: البلاستيك مادة لا تتحلل بيولوجيا بسهولة. فبينما تحتاج ورقة الشجر لبضعة أسابيع حتى تتحلل في الطبيعة، فإن زجاجة المياه البلاستيكية قد تبقى 450 سنة أو أكثر. هذا يعني أن كل قطعة بلاستيكية صُنعت منذ بداية القرن العشرين تقريبا لا تزال موجودة على كوكب الأرض بشكل أو بآخر.
- انتشار البلاستيك الدقيق (الميكروبلاستيك) الميكروبلاستيك هو قطع صغيرة جدا (أقل من 5 ملم) ناتجة عن تفتت البلاستيك أو تصنيعه بهذا الحجم (مثل حبيبات مستحضرات التجميل). وقد وُجد في مياه الشرب (سواء من الحنفيات أو المياه المعبأة)، أو في الأملاح البحرية. أو في الدم البشري حسب دراسة نُشرت عام 2022، ما يعني أن البلاستيك أصبح جزءا من النظام الحيوي للإنسان.
- أين يذهب البلاستيك بعد الاستخدام؟ يعاد تدوير أقل من 10% فقط من النفايات البلاستيكية عالميا. وتُحرق نسبة صغيرة، ما يسبب انبعاث ملوثات سامة في الهواء. بالإضافة تُترك النسبة الأكبر في المكبات أو تتسرب إلى الطبيعة – إلى الأنهار، الشواطئ، الصحاري، وحتى الجبال.
- لماذا البلاستيك رائج رغم أضراره؟ البلاستيك يتمتع بمزايا عملية عديدة: خفيف الوزن، منخفض التكلفة، مقاوم للرطوبة، ومتعدد الاستخدامات في الصناعة. ولكن هذه السهولة في الاستخدام تقابلها صعوبة هائلة في التخلص منه أو إعادة تدويره، خصوصا في الدول ذات القدرات المحدودة في إدارة النفايات.
آثار التلوث البلاستيكي على الإنسان والبيئة
- تأثيره على البيئة:
تُظهر الدراسات أن نحو 90% من الطيور البحرية و100% من السلاحف البحرية تحتوي بطونها على مواد بلاستيكية. كما أن البلاستيك في البحار يُعيق حركة الحيوانات، يسبب الجروح والتشوهات، ويؤدي إلى الاختناق أو الموت جوعا عندما تظنه الحيوانات طعاما.
كما تتسرب المواد الكيميائية السامة من النفايات البلاستيكية إلى التربة، مما يؤثر على جودة الأراضي الزراعية. لأن البلاستيك في التربة يعوق نفاذ الماء ويؤثر على تنفس الجذور، مما يقلل خصوبة التربة على المدى الطويل.
من جهة ثاني فإن حرق النفايات البلاستيكية، خاصة في الدول النامية، يُطلق غازات سامة مثل الديوكسينات والفوران، وهي مواد مسرطنة تؤثر على التنفس والمناعة.
- تأثيره على الإنسان:
وجد الميكروبلاستيك في الأسماك، المحار، المياه المعبأة، وحتى في الخضروات والفواكه نتيجة استخدام التربة والمياه الملوثة. هذا يعني أننا نستهلك أسبوعيا ما يعادل وزن بطاقة بنكية من البلاستيك، بحسب دراسة أجراها WWF عام 2019.
أما عن التأثير الصحي المباشر فقد وجد أن بعض المواد البلاستيكية تحتوي على مواد كيميائية مثل البيسفينول-A (BPA) والفثالات، وهي مواد تؤثر على الغدد الصماء والهرمونات، وقد ترتبط بأمراض مثل السرطان والعقم.
من جهة ثانية يُكلف التلوث البلاستيكي الاقتصاد العالمي مليارات الدولارات سنويا من خلال خسائر السياحة، الصيد، وتنظيف الشواطئ والموانئ. كما أنه يؤثر على سلاسل الإمداد الغذائي ويزيد من كلفة إدارة النفايات في المدن.
- العدالة المناخية والبلاستيك:
المجتمعات ذات الدخل المحدود غالبا ما تكون الأكثر تضررا من مكبات النفايات ومواقع الحرق العشوائي. أما سكان الأحياء القريبة من محارق البلاستيك يعانون من معدلات أعلى من الربو والسرطان وأمراض القلب.
عام 2025… فرصة لإنهاء التلوث البلاستيكي
يأتي عام 2025 في ظل مفاوضات عالمية حاسمة لوضع اللمسات الأخيرة على معاهدة دولية ملزمة لإنهاء التلوث البلاستيكي، تقودها الأمم المتحدة. أكثر من 175 دولة تدعم هذا التوجّه، وتسعى إلى إطار قانوني عالمي يحد من إنتاج البلاستيك ويعزز إعادة الاستخدام والتدوير.
الشعار الرسمي لهذا العام هو: “معا لإنهاء التلوث البلاستيكي”. يهدف إلى تحفيز الحكومات والصناعات والمجتمع المدني على اتخاذ قرارات جذرية للتخلص من الاعتماد على البلاستيك أحادي الاستخدام.
أما عن الفرص المتاحة في عام 2025 فهي عديدة، نذكر منها:
الابتكار الصناعي: عبر دعم التحول نحو مواد بديلة قابلة للتحلل مثل البلاستيك الحيوي، أو تعبئة قابلة لإعادة الاستخدام. وتشجيع الشركات الناشئة على تطوير حلول تقنية لإدارة النفايات، مثل الروبوتات المائية لجمع البلاستيك من الأنهار.
الحراك الشبابي: حيث يشكّل الشباب قوة تغيير فعالة، من خلال حملات التوعية، التدوين البيئي، والمشاركة في مشاريع إعادة التدوير المجتمعية. ومبادرات مثل “أسبوع بدون بلاستيك”، أو “ماراثون تنظيف الشواطئ” باتت رمزا عالميا للوعي البيئي.
الاقتصاد الدائري: عام 2025 فرصة لإرساء نماذج أعمال دائرية تقلل من الهدر وتطيل دورة حياة المواد. وتشمل هذه النماذج: أنظمة الإرجاع، والحوافز على إعادة التعبئة، وخطط التصميم المستدام للمنتجات.
كما أعلنت دولة الإمارات في 2024 عن خطتها لحظر البلاستيك أحادي الاستخدام بحلول عام 2026. مبادرات مثل “دبي بلا بلاستيك” و”أبوظبي للأكياس القابلة للتحلل” تشكّل خطوات ملهمة في هذا السياق. وغيرها من الدول العربية.
حلول مبتكرة وتجارب ملهمة من حول العالم
في مواجهة التحديات المتزايدة للتلوث البلاستيكي، ظهرت العديد من الحلول المبتكرة والمبادرات الناجحة التي يمكن أن تُحتذى، سواء على المستوى الحكومي أو المجتمعي أو الصناعي.
- الحلول التقنية والابتكارية:
مثل البلاستيك القابل للتحلل: تطوير أنواع جديدة من البلاستيك تُصنع من نشا الذرة أو الأعشاب البحرية وتتحلل خلال أشهر بدلا من قرون. وإعادة التدوير الكيميائي مثل تقنية تحول البلاستيك المستخدم إلى مكوناته الأساسية لاستخدامها من جديد، بدلا من طمره أو حرقه. والابتكار في التعبئة مثلاستبدال العبوات البلاستيكية بمواد قابلة لإعادة الاستخدام أو التعبئة، مثل الزجاج أو الألومنيوم أو الورق المضغوط.
- التجارب المجتمعية الملهمة:
مثل “مجتمع خالٍ من البلاستيك” أطلقتها مدينة كاميكا تسون، اليابانية، حيث أعلنت المدينة حظرا شاملا على البلاستيك منذ 2003، وتفصل نفاياتها إلى 45 فئة لإعادة التدوير. وصلت نسبة التدوير إلى أكثر من 80%، بفضل التوعية المجتمعية والالتزام العام.
وفي مدينة ريفير البلجيكية طرحت مبادرة “River Cleanup” وهي برنامج تطوعي لجمع البلاستيك من الأنهار عبر أكثر من 50 دولة. تم جمع أكثر من 2 مليون كيلوغرام من النفايات منذ 2019.
ومبادرة “مدن خضراء خالية من البلاستيك” في مدينة كيب تاون، بجنوب أفريقيا، تجلت في التعاون بين البلدية والمجتمع المدني للحد من استخدام البلاستيك في الأسواق والمقاهي. وتوفير حوافز اقتصادية للمحال التي تتبنى الحلول الصديقة للبيئة.
الدور العربي خطوات على الطريق الصحيح
دور الإمارات في مكافحة التلوث البلاستيكي
تُعد دولة الإمارات العربية المتحدة من الدول الرائدة إقليميا وعالميا في مواجهة التحديات البيئية، وقد تبنت منذ سنوات نهجا استباقيا لمكافحة التلوث البلاستيكي ضمن رؤيتها للتنمية المستدامة والحياد المناخي. ومع تصاعد الوعي العالمي، عززت الإمارات جهودها بشكل واضح نحو اقتصاد بلاستيكي دائري قائم على الابتكار، والتشريعات، والتعاون المجتمعي.
1.سياسات وتشريعات صارمة: حيث أصدرت هيئة البيئة – أبوظبي في عام 2020 سياسة لحظر المواد البلاستيكية المستخدمة لمرة واحدة، وتم تطبيق الحظر الكامل لأكياس البلاستيك ذات الاستخدام الواحد في الإمارة اعتبارا من 1 يونيو 2022. في حين حكومة دبي أعلنت بدء تطبيق رسوم على الأكياس البلاستيكية منذ يوليو 2022، مع خطة تدريجية لحظرها بالكامل. وتعمل وزارة التغير المناخي والبيئة على إعداد استراتيجية وطنية للحد من النفايات البلاستيكية تشمل خريطة طريق حتى عام 2031.
2.شراكات ومبادرات مجتمعية: عبر إطلاق مبادرات مثل “بحر بلا بلاستيك“ و”نظفوا الإمارات” التي تنفذها جمعيات ومؤسسات أهلية بالتعاون مع جهات حكومية وشركات. ودعم برامج التثقيف البيئي في المدارس والجامعات لنشر ثقافة الحد من البلاستيك وتحفيز المشاركة الفعالة من قبل الشباب.
3.تحفيز الابتكار والاستثمار في البدائل: عبر دعم الشركات الناشئة العاملة في مجال تطوير بدائل للبلاستيك مثل الأكياس القابلة للتحلل أو العبوات المصنوعة من مواد طبيعية. والاستثمارات في مصانع إعادة تدوير البلاستيك، وأبرزها مصنع “فيرتو” في أبوظبي الذي يعد من الأحدث في المنطقة.
4.تفعيل الاقتصاد الدائري: الإمارات من أوائل الدول العربية التي تبنت مفهوم الاقتصاد الدائري، وتم إطلاق السياسة الوطنية للاقتصاد الدائري 2021–2031، وتشمل إدارة المواد البلاستيكية ضمن أولوياتها. ويجري العمل على إنشاء منصات رقمية لرصد وتتبع النفايات وتمكين الشركات من قياس وتقليل بصمتها البلاستيكية.
5.دور الإمارات دوليا: شاركت الإمارات بنشاط في مفاوضات الأمم المتحدة حول إعداد معاهدة دولية ملزمة لإنهاء التلوث البلاستيكي. من خلال استضافتها لـ COP28 عام 2023 في إكسبو سيتي دبي، أعادت الدولة تسليط الضوء على تحديات النفايات البلاستيكية في سياق المناخ والتنمية.
لا تكتفي الإمارات بإطلاق المبادرات البيئية، بل تقود تحولات نوعية على مستوى السياسات والاقتصاد والسلوك المجتمعي تجاه كوكب أنظف، وبيئة بلا تلوث بلاستيكي. وهي بذلك تقدم نموذجا عربيا وعالميا ملهما في دمج الاستدامة بالحوكمة الرشيدة والابتكار.
…يتبع



















