في إنجاز علمي غير مسبوق، تمكن فريق بحث دولي يضم أساتذة جامعيين وباحثين مغاربة وأجانب من فك الشيفرة الجينية الكاملة لشجرة الأرگان، انطلاقا من التيلومير إلى التيلومير، أي من البداية إلى النهاية، مستعينين بأحدث تقنيات تسلسل الحمض النووي.
ويضع هذا الاكتشاف المغرب في مصاف الدول الرائدة في مجال علم الجينوم النباتي، باعتباره فتحا علميا استثنائيا يتيح إدراج الأرگان ضمن قائمة محدودة جدا من النباتات التي تم تحديد جينومها بالكامل وبدقة عالية على مستوى الكروموسومات.
واعتمد الفريق البحثي في هذا المشروع على مزيج متطور من التقنيات الحديثة، شملت تقنية PacBio HiFi المعروفة بقدرتها على إنتاج قراءات طويلة عالية الدقة، وتقنية Oxford Nanopore الخاصة بتسلسل الجزيئات الطويلة جدا، إلى جانب تقنية Illumina short reads التي تستعمل لتصحيح الأخطاء وضبط جودة النتائج، ثم تقنية Hi-C التي مكنت من إعادة ترتيب المقاطع الجينية داخل الكروموسومات وفقا لبنيتها الثلاثية الأبعاد.
وقد أتاح التكامل بين هذه الأدوات رسم خريطة جينية كاملة لشجرة الأرگان دون أي فجوات، وهو ما يعرف في الأوساط العلمية بتسلسل “من التيلومير إلى التيلومير”.
وتحمل شجرة الأرگان، التي تنمو طبيعيا في جنوب غرب المغرب، مكانة استراتيجية مزدوجة تجمع بين البعد الاقتصادي والاجتماعي من جهة، والدور البيئي الحيوي من جهة أخرى؛ فزيت الأرگان يعد منتوجا عالميا يلقى رواجا كبيرا في مجالات التغذية والتجميل، وأضحى علامة تجارية مميزة للمنتوج المغربي، كما يمثل موردا أساسيا لآلاف الأسر، خاصة النساء العاملات في التعاونيات المحلية. وقد جعلت هذه القيمة الاقتصادية من الأرگان رمزا للتنمية المستدامة في مناطق سوس وما جاورها.
ولم تقف أهمية الشجرة عند بعدها الاقتصادي فحسب، بل تجاوزته إلى أدوار بيئية كبرى، إذ تساهم في مقاومة التصحر وحماية التربة من الانجراف، فضلا عن حفاظها على التوازن الإيكولوجي في واحدة من أكثر المناطق هشاشة مناخيا بالمغرب. وقدرتها الفريدة على التكيف مع الظروف شبه الجافة جعلت منها خط دفاع طبيعيا ضد التغيرات المناخية وزحف الرمال.
ويفتح هذا الإنجاز العلمي آفاقا واسعة أمام الأبحاث التطبيقية المستقبلية، سواء على مستوى تطوير سلالات جديدة أكثر مقاومة للجفاف والأمراض، أو في تحسين جودة ومردودية إنتاج زيت الأرگان بما يعزز قيمته الاقتصادية.
كما يتيح فرصة للمغرب للانخراط في برامج دولية لحماية التنوع البيولوجي، والمساهمة في فهم أعمق للتاريخ الجيني لنباتات المنطقة. ويؤكد هذا المشروع في نهاية المطاف المكانة الريادية التي بات المغرب يحتلها في مجال الأبحاث الجينية للنباتات ذات القيمة البيئية والاقتصادية العالية.





















عذراً التعليقات مغلقة