هل يعيد البناء الترابي رسم مستقبل السكن في المغرب؟

ECO173 يوليو 2026
هل يعيد البناء الترابي رسم مستقبل السكن في المغرب؟
ابراهيم بوكيوض

مع كل موجة حر جديدة، تتكرر المشاهد نفسها في مختلف أنحاء العالم: ارتفاع غير مسبوق في استهلاك الكهرباء، وضغط متزايد على شبكات الطاقة، وازدياد الاعتماد على أجهزة التكييف للحفاظ على درجات حرارة مقبولة داخل المنازل. وفي المقابل، يطرح خبراء المناخ والهندسة المعمارية سؤالا مختلفا: ماذا لو كان الحل لا يكمن في استهلاك مزيد من الطاقة، بل في تصميم المبنى نفسه؟

وفي هذا السياق، تعود القباب البيئية Les éco-dômes إلى دائرة الاهتمام باعتبارها نموذجا معماريا يستلهم مبادئ البناء التقليدي ويستفيد من العلوم الحديثة لتحقيق راحة حرارية طبيعية، مع تقليص استهلاك الطاقة والحد من البصمة الكربونية. وبينما تبدو هذه الفكرة جديدة بالنسبة إلى كثيرين، فإن المغرب بدأ بدوره يخوض تجارب عملية في هذا المجال، مستندا إلى إرث طويل في البناء الترابي.

المباني تستهلك الطاقة أكثر مما نتصور

لم يعد قطاع البناء مجرد مستهلك للطاقة، بل أصبح أحد أبرز التحديات البيئية عالميا. وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة والتحالف العالمي للمباني والتشييد إلى أن المباني تستهلك نحو 34% من الطلب العالمي على الطاقة، كما تسهم بحوالي 37% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة، سواء أثناء البناء أو خلال مرحلة الاستغلال.

ومع ارتفاع درجات الحرارة بسبب التغير المناخي، يتوقع أن يتضاعف الطلب العالمي على التبريد خلال العقود المقبلة، خاصة في المناطق الحارة وشبه الجافة مثل شمال إفريقيا. وهذا يعني أن استمرار الاعتماد على أنماط البناء التقليدية القائمة على الخرسانة والإسمنت والزجاج قد يؤدي إلى زيادة استهلاك الكهرباء والانبعاثات، ما لم تعتمد حلول معمارية أكثر كفاءة.

كيف تحافظ القباب البيئية على برودتها؟

يكمن سر القباب البيئية في اعتمادها على مبادئ فيزيائية بسيطة لكنها فعالة، فالجدران المشيدة من التربة المضغوطة أو الطين تمتلك كتلة حرارية عالية، ما يسمح لها بامتصاص الحرارة ببطء خلال ساعات النهار وإطلاقها تدريجيا أثناء الليل. وبهذه الطريقة تبقى درجة الحرارة داخل المبنى أكثر استقرارا مقارنة بالمباني الإسمنتية الخفيفة التي تسخن بسرعة.

كما يساهم الشكل القوسي في تقليل مساحة السطح المعرضة مباشرة لأشعة الشمس، إضافة إلى تحسين حركة الهواء داخل المبنى، وهو ما يعزز التهوية الطبيعية ويقلل الحاجة إلى أجهزة التكييف.

وتؤكد دراسات منشورة في دوريات علمية متخصصة مثل Energy and Buildings وBuilding and Environment أن المباني الترابية والبيومناخية تستطيع خفض احتياجات التبريد بصورة ملحوظة، خاصة في المناخات الجافة وشبه الجافة، إذا صممت بطريقة تراعي اتجاه الشمس والرياح وخصائص المواد المحلية.

المغرب يعيد اكتشاف البناء الترابي

لا يعد البناء بالتراب غريبا عن المغرب، فقصور الجنوب، والقصبات، والقرى الجبلية، والمدن العتيقة تشهد على خبرة معمارية امتدت قرونا، استطاعت توفير ظروف معيشية مريحة قبل ظهور أجهزة التكييف.

واليوم، بدأت هذه الخبرة تعود في قالب جديد من خلال مبادرات متخصصة، أبرزها إيكو دوم ماروك، التي أنجزت عشرات المباني البيئية في مناطق مختلفة من المملكة، معتمدة على تقنيات البناء بالتراب والقباب، ومطورة حلولا تتوافق مع معايير السلامة والكفاءة الطاقية. وقد حظيت هذه التجربة باهتمام دولي، بعدما اختيرت ضمن المشاريع النهائية لجائزة إيرثنا برايز مخصصة للحلول المبتكرة في مجال الاستدامة.

ويؤكد القائمون على هذه المشاريع أن الهدف لا يقتصر على إحياء تقنيات البناء التقليدية، بل تطويرها بالاستفادة من الهندسة الحديثة، حتى تصبح أكثر مقاومة للزلازل وأكثر ملاءمة للمعايير العمرانية المعاصرة.

هل تمثل القباب البيئية خيارا واقعيا للمغرب؟

رغم المزايا البيئية والطاقية لهذا النوع من البناء، فإن تعميمه يواجه تحديات متعددة، من بينها ضعف المعرفة به، وهيمنة النموذج الإسمنتي في سوق البناء، إضافة إلى الحاجة إلى تكوين مهنيين متخصصين وتطوير الإطار التنظيمي.

ومع ذلك، يرى عدد من الباحثين أن المغرب يمتلك مقومات تجعله من أكثر الدول المؤهلة للاستفادة من العمارة البيئية، بفضل تنوع مواده المحلية، وخبرته التاريخية في البناء الترابي، وتزايد الحاجة إلى حلول تقلل استهلاك الطاقة في ظل ارتفاع درجات الحرارة.

ولا يتوقع أن تحل القباب البيئية محل جميع أنماط البناء، لكنها قد تشكل خيارا مناسبا في العالم القروي، والمناطق الصحراوية، والمشاريع السياحية البيئية، وبعض برامج السكن منخفض الكلفة، خاصة إذا أدمجت ضمن رؤية أشمل للبناء المستدام.

نحو عمارة تتكيف مع المناخ

لم تعد العمارة الحديثة تقاس بجمال الواجهات أو ارتفاع المباني فقط، بل أصبحت تقاس أيضا بقدرتها على التكيف مع المناخ، وتقليل استهلاك الطاقة، وتحسين جودة العيش.

وفي هذا الإطار، تبرز القباب البيئية باعتبارها أكثر من مجرد شكل معماري مختلف؛ فهي تعكس فلسفة جديدة في البناء تقوم على توظيف الطبيعة بدل مقاومتها، والاستفادة من خصائص المواد المحلية بدل الاعتماد الكلي على الحلول الميكانيكية.

ومع تزايد موجات الحر، قد يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل يمكن بناء مزيد من القباب البيئية؟ بل: إلى أي حد يمكن للعمارة المغربية أن تستلهم تراثها لتشييد مدن أكثر قدرة على مواجهة تغير المناخ؟

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق