ثورة خضراء في الزراعة: أول مصنع عالمي للأسمدة النظيفة يغير قواعد الأمن الغذائي

ECO179 مايو 2026

ثورة خضراء في الزراعة: أول مصنع عالمي للأسمدة النظيفة يغير قواعد الأمن الغذائي
ابراهيم بوكيوض

في خطوة توصف بأنها تحول نوعي في العلاقة بين الطاقة والزراعة، أعلنت شركة ATOME PLC أتوم بي إل سي عن اتخاذ قرار الاستثمار النهائي لإنجاز أول مشروع صناعي واسع النطاق لإنتاج الأسمدة الخضراء في العالم، وذلك بمدينة فيليتا في باراغواي، باستثمارات تصل إلى 665 مليون دولار.

لا يمثل هذا المشروع مجرد استثمار صناعي جديد، بل يعكس بداية مرحلة مختلفة في إنتاج الغذاء العالمي، حيث تنتقل صناعة الأسمدة من الاعتماد التقليدي على الغاز الطبيعي إلى الاعتماد على الكهرباء المتجددة والهيدروجين الأخضر، بما يحمله ذلك من آثار اقتصادية وبيئية واستراتيجية عميقة.

ما المقصود بالأسمدة الخضراء؟ ولماذا يعتبر هذا المشروع سابقة عالمية؟ وكيف يمكن أن يؤثر التحول نحو الأسمدة النظيفة على أسعار الغذاء والأمن الغذائي العالمي؟ ثم ماذا يعني ذلك للدول العربية والإفريقية التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الأسمدة والطاقة؟

لماذا تعد الأسمدة قضية عالمية؟

غالبا ما يرتبط الحديث عن الأمن الغذائي بالحبوب والمياه والأراضي الزراعية، لكن الأسمدة تعد أحد الأعمدة الأساسية في إنتاج الغذاء. فمعظم الزراعة الحديثة تعتمد على الأسمدة النيتروجينية التي ترفع الإنتاجية وتضمن استقرار المحاصيل.

المشكلة أن إنتاج هذه الأسمدة يرتبط تاريخيا بالغاز الطبيعي، وهو ما يجعل أسعار الغذاء رهينة لتقلبات أسواق الطاقة والأزمات الجيوسياسية. وقد ظهر ذلك بوضوح خلال السنوات الأخيرة، حين أدى ارتفاع أسعار الغاز عالميا إلى اضطراب كبير في أسعار الأسمدة، ثم انعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية في مختلف الدول.

من هنا برزت الحاجة إلى ما يسمى “الأسمدة الخضراء”، أي الأسمدة الصناعية المنتجة باستخدام طاقة متجددة بدلا من الغاز الطبيعي.

ماذا يعني السماد الأخضر؟

الأسمدة الخضراء لا تعني السماد العضوي كما يعتقد البعض، بل يقصد بها الأسمدة الصناعية المنتجة باستخدام طاقة متجددة بدلا من الغاز الطبيعي.

في المشروع الجديد، سيجري استخدام الكهرباء الكهرومائية النظيفة المتوفرة في باراغواي لإنتاج الهيدروجين الأخضر، ثم تحويله إلى سماد منخفض الانبعاثات من نوع نترات الأمونيوم الكالسيوم (سي إيه إن – CAN)، وهو من أكثر الأسمدة استخداما في القطاع الزراعي العالمي.

وبحسب البيان الرسمي للشركة، ستصل الطاقة الإنتاجية للمصنع إلى نحو 260 ألف طن سنويا، مع توقع بدء الإنتاج التجاري في أكتوبر 2029.

لماذا اختيرت باراغواي؟

قد يبدو اختيار باراغواي مفاجئا للبعض، لكنها تمتلك ميزة استراتيجية مهمة تتمثل في وفرة الكهرباء الكهرومائية منخفضة التكلفة، خصوصا من سدود الطاقة الكبرى، وهو ما يمنح المشروع قدرة تنافسية عالية مقارنة بالمصانع التقليدية.

كما أن الموقع الجغرافي يسمح بتصدير الإنتاج نحو أسواق أمريكا اللاتينية والبرازيل خصوصا، وهي من أكبر المناطق الزراعية في العالم.

من يمول المشروع؟

يحظى المشروع بدعم مالي دولي واسع، إذ تشارك فيه مؤسسات كبرى مثل مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي، وبنك الاستثمار الأوروبي، وبنك التنمية الهولندي، وصندوق المناخ الأخضر، إضافة إلى استثمار تقوده مجموعة (إتش واي 24 – HY24) المتخصصة في البنية التحتية للهيدروجين النظيف.

يعكس هذا الحضور المالي الدولي قناعة متزايدة بأن التحول في صناعة الأسمدة لم يعد مجرد خيار بيئي، بل أصبح ضرورة اقتصادية مرتبطة باستقرار الغذاء العالمي.

ماذا يعني ذلك للعالم العربي وإفريقيا؟

تعاني كثير من الدول العربية والإفريقية من هشاشة في الأمن الغذائي بسبب التبعية الخارجية في استيراد الحبوب والأسمدة معا. وعندما ترتفع أسعار الطاقة عالميا، ترتفع معها تكلفة الإنتاج الزراعي بشكل مباشر.

لذلك فإن نجاح هذا النموذج قد يشجع دولا تمتلك موارد شمسية وريحية كبيرة، مثل المغرب ومصر وموريتانيا وناميبيا، على تطوير مشاريع مشابهة تربط بين الهيدروجين الأخضر والصناعة الزراعية.

وبالنسبة للمغرب، الذي يعد فاعلا رئيسيا عالميا في مجال الفوسفاط عبر مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، فإن الاتجاه نحو الأسمدة منخفضة الكربون يمثل امتدادا طبيعيا لمسار التحول الصناعي الأخضر الذي أصبح جزءا من المنافسة الدولية المستقبلية.

أكثر من مشروع صناعي

لا يتحدث الحدث فقط بمصنع جديد، بل بإعادة رسم العلاقة بين الطاقة والزراعة والمناخ. فإذا نجح المشروع، فقد يصبح نموذجا عالميا جديدا يغير طريقة إنتاج الغذاء، ويمنح الدول النامية فرصة للانتقال من استيراد الأزمات إلى صناعة الحلول.

ففي عالم تتزايد فيه تحديات المناخ وارتفاع الأسعار واضطراب سلاسل الإمداد، قد تصبح الأسمدة الخضراء أحد أهم مفاتيح السيادة الغذائية في العقود المقبلة.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق