من رواندا إلى الأمم المتحدة.. هل يمكن كبح سيل البلاستيك؟

ECO1728 فبراير 2026

من رواندا إلى الأمم المتحدة.. هل يمكن كبح سيل البلاستيك؟
ابراهيم بوكيوض

لم يعد التلوث البلاستيكي مجرد قضية بيئية هامشية، بل تحول إلى أحد أكبر التحديات العالمية في القرن الحادي والعشرين. اليوم ينتج العالم ما يفوق 430 مليون طن من البلاستيك سنويا، يذهب جزء كبير منه إلى منتجات أحادية الاستعمال، بينما لا تتجاوز نسبة ما يعاد تدويره فعليا 10% تقريبا, وينتهي الباقي في المطارح، أو يحرق، أو يتسرب إلى الأنهار والمحيطات، حيث تقدر الكميات المتدفقة إلى النظم المائية بما بين 19 و23 مليون طن سنويا.

أمام هذا الواقع، أطلقت جمعية الأمم المتحدة للبيئة في مارس 2022 قرارا تاريخيا يقضي ببدء مفاوضات لإعداد معاهدة عالمية ملزمة قانونيا لمكافحة التلوث البلاستيكي. ومنذ ذلك الحين، عقدت عدة جولات تفاوضية ضمن ما يعرف بلجنة التفاوض الحكومية الدولية، بمشاركة أكثر من 170 دولة. الهدف المعلن هو صياغة اتفاق شامل يغطي دورة حياة البلاستيك كاملة، من الإنتاج إلى التصميم والاستهلاك ثم إدارة النفايات.

غير أن المفاوضات لم تكن سهلة، فهناك انقسام واضح بين دول تدعو إلى خفض إنتاج البلاستيك من المصدر، وبين دول أخرى تفضل التركيز على تحسين إدارة النفايات وإعادة التدوير دون المساس بالإنتاج. من بين الدول الداعمة لتخفيض الإنتاج نجد عددا من دول الاتحاد الأوروبي ودولا إفريقية وجزرية صغيرة متضررة بشدة من التلوث البحري. في المقابل، تتحفظ بعض الدول الكبرى المنتجة للنفط والبتروكيماويات على أي نص يتضمن قيودا صارمة على الإنتاج، معتبرة أن الحل يجب أن يركز على الابتكار التقني والتدوير بدل فرض أسقف إنتاجية. يعكس هذا الخلاف  تعارضا بين من يرى في البلاستيك مسألة بيئية ملحة، ومن يراه أيضا ركيزة صناعية واقتصادية.

وفي أحدث تطورات المسار التفاوضي، لم تنجح الجولة الخامسة للمفاوضات التي تم عقدها في جنيف خلال غشت 2025 في التوصل إلى اتفاق نهائي، رغم مشاركة أكثر من 180 دولة. وقد برزت خلافات عميقة بين معسكر يدعو إلى إدراج سقف عالمي لإنتاج البلاستيك ضمن نص المعاهدة، ومعسكر آخر يرفض تقييد الإنتاج ويفضل التركيز على تحسين إدارة النفايات والتدوير فقط. وبعد أشهر من الجمود، شهد شهر فبراير 2026 انتخاب رئيس جديد للجنة التفاوض الحكومية الدولية، في خطوة اعتبرت محاولة لإعادة الزخم إلى المحادثات ودفعها نحو صيغة توافقية. غير أن النص النهائي للمعاهدة لا يزال معلقا، في انتظار حسم الخلاف حول جوهر القضية: هل يعالج الاتفاق جذور الأزمة عبر تقليص الإنتاج، أم يكتفي بإدارة نتائجها؟

ورغم تعقيدات التفاوض الدولي، أثبتت بعض الدول أن التحرك الوطني ممكن وفعال؛ وتعتبر رواندا مثالا بارزا في هذا المجال، إذ فرضت منذ سنة 2008 حظرا صارما على تصنيع واستيراد واستعمال الأكياس البلاستيكية. لم يقتصر الأمر على سن القانون، بل رافقته آليات مراقبة دقيقة في المنافذ الحدودية، وحملات توعية مستمرة، وتشجيع بدائل قابلة لإعادة الاستخدام. بعد أكثر من عقد من التطبيق، أصبحت العاصمة كيغالي تصنف من بين أنظف المدن الإفريقية، وانخفضت النفايات البلاستيكية بشكل ملحوظ في الفضاء العام.

يبرز نجاح التجربة الرواندية أن الإرادة السياسية الواضحة، مقرونة بالتطبيق الصارم والوعي المجتمعي، يمكن أن تحدث تحولا حقيقيا حتى في سياقات اقتصادية محدودة الموارد. كما يثبت أن مكافحة البلاستيك لا تتطلب انتظار توافق دولي كامل، بل يمكن البدء بإجراءات وطنية ملموسة.

اليوم، يقف العالم عند مفترق طرق. فإما أن تترجم المفاوضات الجارية إلى معاهدة قوية تعالج جذور المشكلة عبر تقليص الإنتاج وإعادة تصميم المنتجات، أو تظل الأزمة تتفاقم مع استمرار نموذج الإنتاج والاستهلاك القائم. التجارب الوطنية الناجحة تثبت أن البديل ممكن، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل الإرادة البيئية إلى التزام سياسي واقتصادي ملزم على نطاق عالمي.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق