الحلقة 3: الدراسة إلى الباكلوريا
– في الكتاب:
أذكر أن الوالدة حفظها الله أدخلتنا نحن الإخوة الثلاثة إلى الكتاب، أخي الذي يكبرني بسنة وأختي التي تصغرني بسنة، لا أذكر التاريخ بالضبط ولكن كان ذلك في فصل الصيف أثناء سفر والدي مع جدتي رحمهما الله إلى أرض آبائه وأجداده في تافيلالت للبحث عمن تبقى من أفراد عائلته على قيد الحياة. ربما استغلت الوالدة غياب الوالد لإدخالنا إلى الكتاب، لأنها كانت تعرف أنه لن يقبل، خصوصا وأن الوالد كان متأثرا كباقي جيله من أبناء المدينة العتيقة بطنجة بثقافة الغرب.
وكان في حينا كما باقي أحياء المدينة أكثر من كتاب واحد. وما بقي عالقا بذاكرتي عن أيام الكتاب هو مشهدين فقط، وهما:
– حضورنا حفل حفظ أحد الأطفال لسورة البقرة: حيث بدأ الاحتفال بموكب الأطفال بالجلاليب يحملون الألواح التي يكتب عليها القرآن من أجل حفظه والطفل المحتفى به يتوسط مقدمة الموكب، وسكان الحي يرافقون الموكب، خصوصا النساء اللائي كن يرددن الهتافات الدينية الشعبية المشهورة وفي مقدمتها الصلاة على النبي ويطلقن الزغاريد، وبعد طواف الموكب في أزقة الحي دخل تلاميذ الكتاب إلى بيت أسرة الطفل المحتفى به لتناول وجبة الكسكس. ولا أنسى كيف كان التلاميذ الكبار ينصحوننا بدفن قطع اللحم في الكسكس حتى تكون بزعمهم لذيذة عند أكلها، ولما كنا نفعل ذلك كانوا يأكلون بعضا من قطع اللحم المدفونة التي كانت في حوزتنا، بمعنى كانوا يستغفلوننا ويسرقون نصيبنا من اللحم، ولكنه بالفعل كان اللحم لذيذا بهذه الطريقة لدرجة أنني داومت على هذه الطريقة فيما بعد في بيتنا.
– والمشهد الثاني، وهو مشهد مؤلم وهو تعرضنا للضرب الجماعي من قبل المدرر (الفقيه):
بحيث كان المدرر يغفو وهو جالس على أريكته، حينما كنا نردد السور القصار، وكان كلما استيقظ من غفوته ووجد أطفالا يشاغبون يضرب بعصاه القصيرة من هم بالقرب منه وبعصاه الطويلة من هم بعيدين عنه. ثم حصل أن استيقظ على شغب كبير فانتفض وبدأ يضرب الجميع، فأصابتنا نحن الثلاثة ضربات عصاه الموجعة العشوائية ففررنا إلى الشارع مع أغلب الأطفال، بل اتجهنا إلى البيت جريا وحفاة لأننا تركنا أحذيتنا في الكتاب. ولما دخلنا البيت ولقينا الوالدة رفضنا أن نرجع للكتاب بل قلنا لها ونحن نبكي بأننا لن نعود أبدا للدراسة في هذا الكتاب.
شتان بين المشهدين، بل تناقض كبير من الناحية التربوية، رحمة وفرح عند الاحتفاء بالنجاح، وقسوة وعذاب خلال التلقين.
– الطور الأولي:
تلقيت الدروس الأولى في حياتي، متنقلا بين ثلاث مدارس للتعليم الأولي، التي كانت تسمى ب”النادي” ثم أصبحت فيما بعد تسمى ب”الروض”.
النادي الأول كان يطل على ساحة السوق الداخل، وأذكر أن المعلم كان يعزف على آلة العود، وكان الوالد يأخذنا صباحا بالطاكسي قبل أن يذهب للعمل ثم يأتي لنا بوجبة الغذاء في الظهر، ويعود بنا إلى البيت مساء بالطاكسي. كان مجهودا إضافيا وشاقا للوالد، لذلك سارع لنقلنا للدراسة في حي نجيبة قرب حينا بمجرد أن فتح نادي جديد وربما كان هو الأول في تلك المنطقة. ثم بعد ذلك تغير مقر النادي حيث انتقل إلى حي ابن بطوطة وهو كذلك قريب من حينا فانتقلنا إليه.
– الطور الابتدائي:
لم تكن في حينا فال فلوري أية مدرسة ابتدائية بالرغم من كبره وقدمه، فكان أبناء الحي يتوزعون للدراسة بين عدد من المدارس، في حي المصلى وفي الحي الجديد (كاسابراطا) وحي المجاهدين. واختارت أسرتي أن ندرس في مدرسة الحي الجديد، وكانت مدرسة للبنين فقط، إذ أن جل إن لم تكن كل المدارس في تلك الفترة لم تكن مختلطة. والسبب في اختيار هذه المدرسة هو لأن مدير المدرسة كان صديقا لوالدي رحمه الله. التحقت بالمدرسة في سن السابعة كما كان معمولا به في ذلك الوقت، في شتنبر 1972. وأهم ذكريات الدراسة بالابتدائي أذكر:
– في التحضيري (السنة أولى ابتدائي) كان القسم مكتظا، ربما كان عدد التلاميذ 60. حيث كان يجلس في كل طاولة ثلاثة تلاميذ، والطاولات كانت تصل إلى السبورة تقريبا.
– نظرا لبعد المدرسة عن البيت، كانت والدتي تستأجر بنات الحي الكبيرات لمرافقتنا إلى المدرسة.
– مرة اعترض طريقي حينما خرجت من المدرسة بعض أبناء الحي الجديد (كاسابراطا) لأنني كنت من أبناء حي فال فلوري وكانت هناك عداوة بين الحيين، والعداوة بين الأحياء كانت منتشرة في ذلك الزمان، فضربوني وأخذوا محفظتي ولما لم يجدوا بها شيئا صادروا الطباشير، لأن المحفظة المدرسية في بداية الدراسة في القسم التحضيري آنذاك كانت تتكون فقط من اللوحة والطباشير والممسحة.
– النسبة الكبيرة من التلاميذ كانوا من أسر فقيرة، ومظاهر الفقر كانت منتشرة، من لباس بسيط ومرقع وبعض التلاميذ يأتي إلى المدرسة حافي القدمين، ومن كانت لهم أحذية فقد كانت أحذية مرقعة أو يلبسون أحذية بلاستيكية حتى في الفصل البارد.
– المطعم المدرسي، كان طعامه لذيذا، لا أنسى المذاق الشهي للخبز (كوميرة صغيرة)، والشوكولاتة اللذيذة، وكم كنت أتمنى أن تكون أسرتي فقيرة حتى أنعم بهذا الأكل. وكانت أمي تنصحنا بألا نأكل هذا الطعام لأنه طعام التلاميذ الفقراء وحرام علينا نحن أبناء الأسر غير الفقيرة أن نأخذ منه شيئا.
– تغيير اسم المدرسة، حيث أصبح اسمها مدرسة الجولان، وذلك بعد المشاركة المغربية في حرب 1973، حيث كانت التجريدة المغربية في منطقة الجولان، وقاتلت ببسالة ضد القوات الإسرائيلية واستشهد منها عدد كبير من عناصرها.
– أول رحلة لطائرة كونكورد إلى طنجة ربما كان ذلك في عام 1974، بحيث سبب ضجيجها في اهتزاز زجاج نوافذ المدرسة، وهي طائرة فائقة السرعة، التي كانت تفوق في بعض الأحيان ضعف سرعة الصوت (أكثر من 2200 كلم/ساعة).
-في عام 1975، كان معلمونا يخرجوننا إلى ساحة المدرسة ونبدأ بالهتاف وترديد الشعارات ضد إسبانيا ومؤيدة للحق المغربي في استرجاع صحرائه، ولا زلت أذكر مشاركة حارس المدرسة في المسيرة الخضراء وعند عودته نظمت إدارة المدرسة حفلا تكريما له.
– لا أنسى وأنا في المستوى الثالث ابتدائي، حينما لم أتمكن من الحفظ الجيد لدرس الصرف، صرف فعل كتب، وبقيت أبكي كثيرا لدرجة أن والدتي ذهبت إلى المعلم وطلبت منه أن يؤجل استظهاري للدرس إلى الغد، وبالفعل كانت المدة كافية وتمكنت من استظهار الدرس بدون أي خطإ.
– رسوبي في المستوى الخامس أو “قسم الشهادة” كما كان يسمى، لأنها كانت السنة الأخيرة في الطور الابتدائي، وكان من قبلنا يدرسون ستة أعوام كما هو عليه الحال الآن حيث كان يسمى المستوى السادس ب”الملاحظة”، وعند التحاقي بالمدرسة كان لا يزال هذا المستوى وكان يدرس به تلاميذ كبار في السن. وكان امتحان “الشهادة” وطنيا والقليل من التلاميذ الذين كانوا يحصلون على “الشهادة”، والقليل ممن حصل عليها كان لا يوفق في ذلك إلا عند تكراره للسنة. وأظن أن سبب رسوبي يرجع لعامل نفسي لأنني كنت قادرا على النجاح في العام الأول، وأذكر أن أمرين تسببا في تكون قناعة لدي بأنني مستحيل أن أحصل على “الشهادة” من السنة الأولى: الأمر الأول هو أن القليل من أبناء العائلة والجيران الذين حصلوا عليها. والأمر الثاني هو قصة وقعت لي ولازلت أتذكرها جيدا، بحيث كنت اشتريت كتاب “أهيئ امتحاني”، ومن شدة فرحتي به قدمته لأمي لتراه وكانت في بيت جدي تجلس مع جدتي وبعض نساء العائلة، وقالت لي عن حسن نية وهي تتصفح الكتاب “محال أن تنجح في الامتحان، فالجميع لا ينجح في العام الأول”، فكانت هذه العبارة محفزا لي بألا أبذل الجهد الكبير للاستعداد الجيد للامتحان. كانت المرة الوحيدة التي أرسب فيها في حياتي الدراسية، ومع ذلك وللسببين الذين ذكرتهما لم أذق مرارة الرسوب ولم أندم عليه.
– نجاحي في امتحان “الشهادة” في العام الثاني أي في عام 1978، وكانت فرحتي لا توصف لدرجة أنني حينما قرأت اسمي ضمن لائحة الناجحين التي كانت مكتوبة بالطباشير في سبورة معلقة في ساحة المدرسة، اتجهت راكضا إلى البيت لأخبر الأسرة، وفي الطريق رميت حذائي البلاستيكي وأكملت الركض حافيا. وحينما انتشر الخبر، بدأت وفود العائلة تصل إلى البيت من أجل تقديم التهاني، لكن أسرتنا لم تنظم حفلا بمناسبة النجاح كما كان الأمر سائدا في ذلك الزمان.
– الطور الإعدادي:
التحقت للدراسة في الطور الإعدادي في شتنبر 1978 بإعدادية محمد بن عبد الكريم الخطابي التي أصبحت الآن ثانوية تأهيلية، ودرست بها أربعة أعوام كما كان الأمر آنذاك. ولي بها ذكريات كثيرة أذكر منها:
– هجوم أعداد كبيرة من التلاميذ والشباب اليساريين على المؤسسة وإخراجنا منها، وكنا في درس التربية البدنية، وخرجنا معهم بلباس الرياضة إلى الشوارع نردد معهم هتافات وشعارات معادية لنظام الحكم، بدون أن نفهم مغزاها ولا الهدف من الإضراب، كان ذلك في العام الأول لي بالإعدادي أي السنة الدراسية 1978-1979.
– ذهبت يوما إلى المدير، الأستاذ محمد ازغينو، واقترحت عليه أن يتم تنظيم مسابقات ثقافية بين أقسام المؤسسة ويتم توزيع الجوائز على الفائزين، وكان ذلك ربما تأثرا وإعجابا بالبرامج التربوية التي كانت تبثها القناة التلفزيونية الوحيدة آنذاك، خصوصا برنامج “الوقت الثالث”. وكنا ننظم أيضا هذه المسابقات فيما بيننا في الحي.
– خلال هذه الأعوام بدأ اهتمامي بالمطالعة، بدأت أقرأ الكتب في مكتبة المؤسسة، وبدأت أشتري الكتب والمجلات من مصروفي. وهذا ما جعلني أيضا أهتم بالكتابة خصوصا الكتابة الصحافية، فكنت أعد مجلة بخط يدي كنت أسميها “مجلة السنديان”، أكتب الافتتاحية وأنشر فيها ما أنقله من المجلات المنتشرة آنذاك من مقالات وأخبار ومسابقات…، وأقوم بتوزيع النسخة الوحيدة من كل عدد على أقاربي وبعض أصداقائي في الحي وربما في الإعدادية، يقرؤونها ثم يعيدوها إلي. للأسف لم أحتفظ بأي عدد منها.
– في العام الثاني اكتشف أستاذ اللغة العربية إتقاني لفن الإلقاء، فقرر أن أكون دائما أول من يقرأ النصوص الأدبية شعرا أو نثرا، وكنت فخورا بهذا التمييز عن زملائي. والأمر نفسه اكتشفته أستاذة اللغة العربية في العام الثالث، فكانت تطلب مني دائما أن أبدأ بقراءة النصوص، بل أكثر من ذلك أخبرت زوجها بالأمر وكان أستاذنا لمادة الاجتماعيات (التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية)، ومرة طلب مني أن أقرأ نصا من كتاب الجغرافيا وكان موضوعه الجغرافية الطبيعية لأوروبا وكنت أقلد مذيعي الإذاعة وعوض أن أقرأ “نهر ألبو” في إيطاليا قرأت خطأ “نهر البَوْ” فبدأ يضحك وصحح لي الخطأ.
– في السنوات الأخيرة خصوصا في العام الرابع، بدأ اهتمامي بالمجال الديني والدعوي والسياسي، وذلك يرجع للأحداث الكبرى التي وقعت في تلك الفترة، أهمها: انتشار الصحوة الإسلامية، زيارة السادات لإسرائيل، توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، بداية الجهاد الأفغاني، الثورة الإيرانية…
– الطور الثانوي:
في شتنبر 1982 التحقت للدراسة بثانوية ابن الخطيب في شعبة الآداب العصرية، لكنني في السنتين الثانية والثالثة درست في القسم النموذجي للتربية البدنية الذي لم يكن مختلفا عن شعبة الآداب العصرية إلا بعدد ساعات مادة التربية البدنية التي كانت تصل إلى ثمان ساعات، وحصلت بعد ثلاثة أعوام على شهادة الباكلوريا في دورة ماي 1985. هذه المرحلة كانت زاخرة بالأنشطة والأحداث، أذكر منها:
– الصراع السياسي والفكري الذي كان بين التلاميذ اليساريين والتلاميذ المتدينين ومنهم التلاميذ المنتمين للتيار الإسلامي الذي كان في بداياته.
– الإضراب الكبير الذي عرفته مدن الشمال ومراكش في عام 1984.
– كانت هناك حركة ثقافية جد نشيطة في المدينة ساهمت فيها عدد من الجمعيات والأندية اليسارية والإسلامية. وكنا نجتهد لحضورها بل والمشاركة فيها.
– مرة حضرت مسابقة ثقافية بين تلاميذ ثانويتنا وتلاميذ ثانوية أخرى لا أذكرها، في قاعة كانت في المقر الحالي لمكتبة عبد الله كنون، وكان الإذاعي الشهير خالد مشبال رحمه الله هو الذي يقوم بتنشيط هذه المسابقة، وكنا نشجع فريق ثانويتنا إلى درجة الصخب، فجاءني مشبال ونهرني من دون باقي زملائي فحز ذلك في نفسي.
– كان لي نشاط ثقافي مهم تجلى في تقديم العروض في مواضيع فكرية وسياسية، سواء داخل القسم أو ضمن أنشطة النادي الثقافي الذي أسسه بعض التلاميذ في المؤسسة.
– وحينما تذكر ثانوية ابن الخطيب لا بد أن يذكر معها الحارس العام محمد المراكشي رحمه الله، بحيويته وصرامته ومعرفته لأسماء كل تلاميذ الثانوية تقريبا، ولا أنسى حينما ناداني مرة بالاسم.
























عذراً التعليقات مغلقة