اختتمت في مدينة نيس الفرنسية أشغال مؤتمر الأمم المتحدة الثالث للمحيطات الذي جمع قادة دول، وزراء، وعلماء من شتى بقاع العالم في لحظة وصفها المراقبون بأنها “نقطة يقظة جماعية تجاه التدهور المتسارع للمحيطات”.
ركزت النقاشات على الإسراع في تنفيذ الهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بالحفاظ على المحيطات واستخدامها بشكل مستدام. وتم في اختتام المؤتمر اعتماد إعلان نيس السياسي، الذي تبنته أكثر من 170 دولة، والذي يكرس التزام الدول بوقف استنزاف الموارد البحرية، وتبني خطوات ملموسة لحماية النظم البيئية البحرية. وقد وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اللحظة بأنها دعوة حاسمة “للانتقال من نهب المحيطات إلى حمايتها”.
من أبرز نتائج المؤتمر دعم معاهدة الأمم المتحدة بشأن أعالي البحار التي تعتبر أول إطار قانوني لحماية المناطق البحرية خارج الحدود الوطنية. بلغ عدد الدول المصادقة على المعاهدة 49، أي على بعد 11 توقيعا من دخولها حيز التنفيذ، وهو ما يتوقع أن يحدث بحلول يناير 2026. وتطمح المعاهدة إلى إنشاء شبكة مناطق بحرية محمية تمثل 30% من محيطات العالم بحلول 2030، كما تلزم الدول بإجراء تقييمات بيئية صارمة قبل أي أنشطة استغلالية في أعالي البحار.
وفي خضم الدعوات لتعزيز الحماية البحرية، برزت الأصوات المنادية بفرض حظر مؤقت على أنشطة التعدين في أعماق المحيطات. وقد شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في كلمته، على ضرورة “وقف الاندفاع غير المسؤول نحو استخراج الموارد المعدنية من قاع البحر”، مشيرا إلى المخاطر الجسيمة على الكائنات البحرية ونظم الحياة الدقيقة التي لم يتم فهمها بعد بشكل كاف. وتبنت العديد من الدول هذا الموقف، ما أعطى الزخم لفكرة التريث العلمي إلى حين توفر معطيات وافية.
من جهة أخرى، أعلن المؤتمر عن مبادرات مالية جديدة، من أبرزها صندوق أزرق بقيمة 10 ملايين دولار أطلقته فرنسا وكوستاريكا لدعم جهود الحفظ البحري في الجنوب العالمي. كما شدد المشاركون، خصوصا من الدول الجزرية والإفريقية، على أهمية الإنصاف في الوصول إلى الموارد الجينية البحرية والتكنولوجيا المرتبطة بها، وهو ما أكدته منظمة اليونسكو باعتباره أحد التحديات الحاسمة في السنوات المقبلة.
أما على صعيد التزامات الدول، فقد تعهدت أستراليا، مثلا، بالتصديق على معاهدة أعالي البحار خلال هذه السنة، مع دعمها لسياسات جديدة للحد من التلوث البلاستيكي، بينما أكد المغرب التزامه بتعزيز التعاون الإقليمي لحماية الساحل الأطلسي، وذلك من خلال رسالة ملكية وجهها جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، عبر الأميرة للا حسناء، دعا فيها بإفريقيا للمحيط كمنصة موحدة للعمل البيئي.
ورغم الزخم السياسي والعلمي الذي عرفه المؤتمر، فقد أشار بعض الخبراء إلى أن التحدي الأبرز لا يكمن فقط في إعلان النوايا، بل في تنفيذها على الأرض. فالفجوة التمويلية لا تزال قائمة، إذ تقدر الحاجة إلى ما لا يقل عن 175 مليار دولار سنويا من أجل حماية المحيطات، في حين لم تتجاوز التعهدات الفعلية المعلنة خلال المؤتمر عتبة 10 مليارات دولار.
يبقى مؤتمر نيس لحظة فاصلة في المسار العالمي نحو إنقاذ المحيطات. فقد وضع معالم واضحة، وقدم أدوات قانونية وعلمية وتعاونية طموحة، غير أن نجاح هذه المبادرة رهن بترجمة الالتزامات إلى سياسات واقعية قابلة للتنفيذ خلال السنوات الخمس المقبلة، قبل أن يفوت الأوان.






















عذراً التعليقات مغلقة