الخبير البيئي والاستشاري الدكتور محمد خضر محمد الجبوري: “العدالة البيئية لا تزال غائبة.. والفئات الأضعف تدفع الثمن الأكبر لتغير المناخ”
لا يمكن القول إن الدول العربية قد حققت العدالة البيئية بشكل كامل. فالعدالة البيئية تعني توزيع عادل ومتساوي للأعباء والفوائد البيئية بين جميع فئات المجتمع، دون تمييز على أساس الجغرافيا أو الطبقة الاجتماعية أو العرق أو القدرة الاقتصادية. ورغم أن بعض الدول العربية أحرزت تقدم نسبي في بعض المؤشرات، إلا أن المشهد العام لا يزال يعكس تفاوت مجالي كبير وغياب للإنصاف البيئي في عدة أبعاد.
وفي هذا الصدد صرح الدكتور محمد خضر محمد الجبوري الخبير البيئي بالعراق، لجريدة إيكو ECO17، بأن التفاوت بين المناطق الحضرية والريفية يبرز بشكل واضح. إذ تحظى المناطق الحضرية غالبا بخدمات بيئية أفضل، مثل شبكات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات والتخطيط العمراني، في حين تعاني المناطق الريفية أو الهامشية من تهميش بيئي، كالتعرض لمكبات النفايات، وضعف مشاريع التشجير، وضعف الرقابة على التلوث الصناعي.
وأشار إلى أن التلوث البيئي في العديد من الدول العربية يتركز قرب الأحياء السكنية الفقيرة، حيث تقع المصانع أو المنشآت الملوثة بجوار هذه الأحياء، مما يزيد من تعرض السكان لأضرار صحية وبيئية دون أن يمتلكوا صوت مؤثر في السياسات البيئية. ووصف هذا الوضع بأنه “انتهاك صارخ لمبدأ العدالة البيئية”، الذي ينص على ضرورة عدم تحميل الفقراء العبء الأكبر من التلوث.
وأوضح كذلك أن القرارات البيئية غالبا ما تتخذ على مستوى مركزي دون إشراك المجتمعات المحلية المتأثرة. واعتبر أن ضعف الشفافية والمساءلة في هذا السياق يجعل من الصعب على المتضررين المطالبة بحقوقهم أو التأثير في السياسات البيئية، مبينا أن الدول العربية، رغم كونها من أقل المساهمين تاريخيا في انبعاثات الغازات الدفيئة، تعد من أكثر المناطق تأثرا بتغير المناخ، بما في ذلك ندرة المياه، والتصحر، والفيضانات. غير أن هناك تفاوت واضح بين الدول الغنية، مثل دول الخليج، والدول الفقيرة أو التي تمر بأزمات، مثل السودان واليمن، في القدرة على التكيف مع هذه التحديات، وهو ما يعمق فجوة العدالة المناخية في المنطقة.
وأردف قائلا إن التشريعات البيئية، وإن وجدت بشكل جيد على الورق في بعض البلدان، تعاني من ضعف التطبيق أو انتقائيته، مما يترك الفئات الأضعف بلا حماية كافية. وخلص إلى أن الدول العربية لم تنجح بعد في تحقيق عدالة بيئية شاملة، رغم بعض المبادرات والجهود الوطنية، نظرا إلى استمرار التفاوتات المجالية، وغياب التوزيع العادل للمخاطر والفوائد البيئية، وغياب مشاركة المجتمعات في اتخاذ القرار.
غير أنه اعتبر أن هذا التحدي يمكن أن يتحول إلى فرصة، من خلال إدماج مبادئ العدالة البيئية في السياسات الوطنية، وتقوية دور المجتمع المدني والسلطات المحلية، والاستثمار في التعليم البيئي، وبناء الوعي المجتمعي، مع وضع خطط تنمية مستدامة تراعي الفئات الهشة والمناطق المهمشة.
وفيما يتعلق بالتنسيق العربي لمواجهة آثار التغيرات المناخية، أوضح الدكتور الجبوري أن الجهود العربية في هذا المجال لا تزال دون المستوى المطلوب من حيث الشمولية والعدالة والفاعلية، موضحا أن الدول العربية تشارك في مؤتمرات الأمم المتحدة للمناخ (COP)، وأن جامعة الدول العربية تبنت عام 2007 “الاستراتيجية العربية للتغير المناخي”، التي هدفت إلى توحيد الرؤى والسياسات في هذا المجال. لكنه نبه إلى أن تنفيذ هذه الاستراتيجية ظل ضعيف بسبب التفاوت في قدرات الدول العربية وغياب التمويل المؤسسي الكافي، مضيفا بأنه السنوات الأخيرة شهدت اهتمام متزايد من بعض الدول، مثل دولة الإمارات التي استضافت مؤتمر COP28، والمملكة العربية السعودية التي أطلقت مبادرة “الشرق الأوسط الأخضر”، الهادفة إلى تعزيز العمل البيئي والإقليمي المشترك. لكنه لفت إلى أن مشاركة بقية الدول العربية في هذه المبادرة بقيت محدودة.
أما بخصوص التنسيق العلمي والتقني، فقد أشار إلى وجود بعض التعاون بين الجامعات والمراكز البحثية العربية، خصوصا في مجالات مراقبة التصحر، وإدارة المياه، والطاقة المتجددة. غير أنه بين أن غياب مركز علمي عربي موحد متخصص في قضايا التغير المناخي يحد من تبادل البيانات والخبرات، ويضعف القدرة على إنتاج حلول علمية مستندة إلى السياقات المحلية، مؤكدا أن العمل العربي الجماعي في هذا المجال يواجه تحديات كبرى، من أبرزها النزاعات السياسية، وضعف التمويل، وتفاوت أولويات الدول، وغياب الإرادة السياسية الموحدة. وشدد على أن التنسيق العربي لا يزال جزئيا وضعيف الأثر، داعيا إلى تعزيز العمل المشترك عبر مؤسسات إقليمية مستقلة، وزيادة الاستثمار في البحث العلمي، وإشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص بفعالية أكبر.
وفيما يخص دور الصحافة البيئية في دعم العدالة المناخية، وضح الدكتور الجبوري أن الصحافة البيئية تكتسي أهمية متزايدة في هذا المجال. وبين أن العدالة المناخية لا تقتصر على الأبعاد التقنية والبيئية فحسب، بل تشمل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، وتهدف إلى ضمان توزيع عادل لتأثيرات التغير المناخي وحماية الفئات الأكثر ضعف.
وأشار إلى أن الصحافة البيئية تلعب دور جوهري في تحقيق هذا الهدف، من خلال نشر الوعي وتعزيز الثقافة البيئية، وتسليط الضوء على التحديات البيئية التي تؤثر في حياة المواطنين بشكل مباشر، مثل التصحر، وشح المياه، وتلوث الهواء، وارتفاع درجات الحرارة.
كما أضاف أن للصحافة البيئية دور رقابي في كشف مكامن القصور في تنفيذ السياسات البيئية، وتسليط الضوء على القوانين والتشريعات المناخية ومدى تطبيقها على أرض الواقع. وإلى جانب ذلك، أكد على أهمية دورها في إيصال صوت المجتمعات المهمشة، التي تتحمل العبء الأكبر من التغير المناخي، مثل القرى الزراعية، والبدوية، والأحياء الفقيرة.
وفي ختام حديثه، أوضح أن إبراز قصص النجاح والمبادرات البيئية المحلية، سواء من المجتمع المدني أو من الشباب الناشطين أو من القطاع الخاص، يسهم في تعزيز الأمل، ودفع المجتمعات إلى تكرار التجارب الناجحة.
ومع ذلك، نبه إلى أن الصحافة البيئية في المنطقة العربية لا تزال دون المستوى المنشود، نظرا إلى ضعف التدريب المتخصص للصحفيين في قضايا المناخ والبيئة، وغياب التمويل المستدام للمؤسسات الإعلامية البيئية، وقلة الاهتمام المؤسسي بهذه القضايا مقارنة بالملفات السياسية أو الأمنية. كما أشار إلى أن وجود قيود على حرية التعبير في بعض الدول يحد من إمكانات التحقيق الاستقصائي في القضايا البيئية الحساسة.
وختم بالتأكيد على أن تمكين الصحافة البيئية وتعزيز حضورها وتوفير بيئة مهنية داعمة لها يشكل أحد الشروط الأساسية لتحقيق العدالة المناخية، إذ لا يمكن تحقيق مناخ عادل دون إعلام عادل، ينقل الحقيقة، ويعطي الصوت لمن لا صوت لهم، ويواكب التغيرات البيئية المتسارعة بمهنية ووعي ومسؤولية.




















