تعد المضادات الحيوية من أهم الاكتشافات الطبية في العصر الحديث، إذ ساعدت على علاج ملايين الإصابات البكتيرية وإنقاذ حياة عدد كبير من المرضى حول العالم. غير أن دراسة علمية حديثة تشير إلى أن استعمال هذه الأدوية قد يترك أثرا طويل الأمد على البكتيريا النافعة الموجودة في الأمعاء، وهو ما يدفع العلماء إلى الدعوة لاستعمالها بحذر وعند الضرورة فقط.
الدراسة نشرت في المجلة العلمية الدولية Nature Medicine يوم 11 مارس الجاري، وأنجزها فريق دولي من الباحثين اعتمد على تحليل بيانات ما يقارب 14 ألفا و979 شخصا في السويد. وقد جمع الباحثون بين سجلات وصفات المضادات الحيوية وتحليل الحمض النووي للبكتيريا الموجودة في أمعاء المشاركين، من أجل فهم تأثير هذه الأدوية على ما يعرف بالميكروبيوم المعوي.
الميكروبيوم هو النظام البيئي المعقد الذي يضم مليارات البكتيريا داخل الجهاز الهضمي، ويؤدي دورا أساسيا في عملية الهضم وتقوية جهاز المناعة وتنظيم العديد من وظائف الجسم. ويؤكد العلماء أن الحفاظ على تنوع هذه البكتيريا يعد عاملا مهما للحفاظ على صحة الإنسان.
وأظهرت نتائج الدراسة أن استعمال المضادات الحيوية يرتبط بانخفاض تنوع البكتيريا النافعة في الأمعاء. ويظهر التأثير بشكل واضح خلال السنة الأولى بعد تناول الدواء، وهو أمر كان متوقعا لدى الباحثين. لكن المفاجأة أن بعض التغيرات في تركيب البكتيريا المعوية يمكن أن تستمر لسنوات طويلة بعد العلاج.
فقد لاحظ العلماء أن آثار بعض المضادات الحيوية قد تستمر من سنة إلى أربع سنوات بعد استعمالها، بل إن بعض التغيرات ظلت قابلة للرصد حتى ثماني سنوات بعد العلاج. وهذا يعني أن تأثير هذه الأدوية قد يتجاوز بكثير مدة العلاج القصيرة التي يتناول فيها المريض الدواء.
كما بينت الدراسة أن جميع المضادات الحيوية لا تؤثر بالطريقة نفسها. فقد سجل الباحثون تأثيرا أكبر لدى بعض الأنواع مثل الكليندامايسين والفلوروكينولونات والفلولوكساسيلين، حيث يمكن أن تغير هذه الأدوية تركيبة البكتيريا المعوية بشكل ملحوظ.
وفي بعض الحالات، لاحظ الباحثون أن علاجا واحدا من مضاد حيوي معين قد يؤدي إلى اختفاء عشرات الأنواع من البكتيريا النافعة في الأمعاء، وهو ما قد يخل بتوازن هذا النظام البيولوجي المعقد.
ويرى العلماء أن هذه التغيرات قد تكون لها انعكاسات صحية محتملة على المدى الطويل. فقد أظهرت دراسات سابقة أن اختلال توازن البكتيريا المعوية قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة ببعض الأمراض مثل السمنة والسكري من النوع الثاني وأمراض القلب، إضافة إلى بعض اضطرابات الجهاز الهضمي.
مع ذلك يؤكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن المضادات الحيوية خطيرة أو يجب تجنبها، فهي تظل أدوية أساسية وضرورية لعلاج العديد من الالتهابات البكتيرية. لكن الدراسة تبرز أهمية استعمالها بشكل عقلاني وتحت إشراف طبي، خصوصا عندما لا تكون ضرورية مثل حالات العدوى الفيروسية التي لا تستجيب أصلا للمضادات الحيوية.
وتضيف هذه الدراسة بعدا جديدا للنقاش العلمي حول المضادات الحيوية. فإلى جانب مشكلة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، التي تعد تحديا صحيا عالميا، بدأ العلماء يولون اهتماما متزايدا بتأثير هذه الأدوية على توازن البكتيريا المفيدة في الجسم.
وفي ظل تزايد الأبحاث حول دور الميكروبيوم في صحة الإنسان، يبدو أن فهم العلاقة بين المضادات الحيوية والبكتيريا المعوية سيصبح أحد المواضيع الرئيسية في الطب خلال السنوات القادمة.




















عذراً التعليقات مغلقة