تشهد أزمة تلوث المياه تحولا عميقا يجعلها تتجاوز البعد البيئي لتغدو أحد أبرز التحديات العالمية المرتبطة بالصحة والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي. فالتغير المناخي، من موجات حر وأمطار غزيرة وأعاصير متطرفة، بات يضاعف مخاطر التلوث البكتيري والكيميائي، بينما تعجز العديد من الدول عن ضبط الأنشطة غير المنظمة التي تستنزف الموارد الطبيعية. ووسط هذا المشهد، يتصدر “الحق في الماء النظيف” قائمة القضايا الحيوية في القرن الحالي.
ويمثل نهر الميكونغ مثالا دالا على هذا التحول؛ فالنهر الذي يعتمد عليه أكثر من 70 مليون شخص بات مهددا بانتشار ما يفوق 2,400 موقع تعدين، كثير منها يعمل خارج الأطر القانونية والرقابية. ولعل استخدام مواد شديدة السمية كالسيانيد والزئبق يؤدي إلى تلويث المياه والتربة والأسماك، ما ينعكس في أمراض خطيرة تمس الجهاز العصبي والكلوي والمناعي. كما تراجعت جودة الأسماك وخصوبة التربة، وفقدت آلاف الأسر موارد عيشها، ليظهر انهيار تدريجي في علاقة تاريخية بين السكان والنهر. ويحذر الخبراء من استمرار التدهور ما لم تفرض رقابة صارمة وتعاد معالجة المناطق الملوثة.
في المقابل، تكشف جامايكا جانبا آخر من الأزمة؛ فبعد إعصار ميليسا، خلفت المياه الراكدة بيئة مثالية لانتشار بكتيريا الليبتوسبيرا، ما أدى إلى تسجيل عشرات الإصابات وست وفيات محتملة. وتبرز خطورة المرض في تشابه أعراضه مع الإنفلونزا، ما يؤخر العلاج ويزيد احتمالات حدوث مضاعفات قاتلة كالفشل الكلوي والكبدي. ووفق منظمة الصحة العالمية، فإن الفيضانات وارتفاع درجات الحرارة يزيدان قدرة هذا النوع من البكتيريا على الانتشار.
وتتقاطع هذه الأزمات مع مخاطر تطال التنوع البيولوجي، مثل تهديد انقراض سمكة “المانجواري” في كوبا نتيجة تدهور جودة المياه وتقلص الموائل الطبيعية. ويتضح في نهاية المطاف أن الأمن المائي شرط أساسي للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وأن مواجهة التحديات تتطلب شراكات دولية وسياسات مستدامة تعالج جذور المشكلة بدل الاكتفاء بحلول ظرفية.



















عذراً التعليقات مغلقة