مفارقة المناخ الجديد: المغرب من تدبير الندرة إلى تدبير الفيضان

ECO1714 مارس 2026

مفارقة المناخ الجديد: المغرب من تدبير الندرة إلى تدبير الفيضان
ابراهيم بوكيوض

لم يعد تدبير الماء في المغرب يرتبط فقط بمواجهة الجفاف وندرة الموارد المائية، بل أصبح يشمل أيضا التعامل مع الفيضانات والسيول التي قد تنتج عن تساقطات قوية في فترات قصيرة. هذا التحول يعكس طبيعة المخاطر المناخية الجديدة التي تواجه البلاد، حيث تشير دراسات دولية حول المناخ في شمال إفريقيا إلى أن التغير المناخي يتجلى أساسا في تزايد عدم انتظام التساقطات وتواتر الظواهر المناخية المتطرفة، أي التناوب بين سنوات جفاف طويلة وأمطار غزيرة مفاجئة.

وتوضح المعطيات الرسمية حجم التحول الذي عرفه الوضع المائي في المغرب خلال العقود الماضية. ففي ستينيات القرن الماضي كان نصيب الفرد من الموارد المائية يناهز 2500 متر مكعب سنويا، قبل أن ينخفض تدريجيا إلى أقل من 600 متر مكعب للفرد سنويا اليوم، وهو مستوى قريب جدا من عتبة الندرة المائية المحددة دوليا في 500 متر مكعب للفرد سنويا. هذا التراجع يعكس ضغطا متزايدا على الموارد المائية نتيجة عوامل متعددة، من بينها النمو الديمغرافي، وتوسع المدن، وارتفاع الطلب على الماء في الفلاحة والصناعة، إضافة إلى تراجع التساقطات وعدم انتظامها.

ولمواجهة هذا الوضع، اعتمد المغرب منذ عقود سياسة تقوم أساسا على تعبئة الموارد المائية عبر بناء السدود. واليوم تتوفر المملكة على أكثر من 150 سدا كبيرا بطاقة تخزين تفوق 19 مليار متر مكعب، إضافة إلى عشرات السدود الصغرى والتلية. وقد لعبت هذه المنشآت دورا محوريا في تخزين المياه خلال السنوات الممطرة واستعمالها خلال فترات الجفاف، كما ساهمت في تنظيم تدفق الأنهار وتوفير احتياطات استراتيجية للماء الصالح للشرب والسقي.

غير أن التحولات المناخية دفعت السلطات إلى توسيع هذه السياسة لتشمل مصادر مائية غير تقليدية. ففي السنوات الأخيرة أصبح تحلية مياه البحر خيارا استراتيجيا لتعزيز الأمن المائي، خاصة في المدن الساحلية. محطة التحلية في أكادير تعد من أبرز المشاريع في هذا المجال، بينما يجري تطوير مشاريع مماثلة في مدن أخرى من بينها الدار البيضاء والداخلة. وتشير المعطيات الحكومية إلى أن المغرب يطمح إلى رفع القدرة الإنتاجية لتحلية مياه البحر إلى حوالي 1.7 مليار متر مكعب سنويا بحلول سنة 2030.

ومن المشاريع التي تعكس هذا التحول في التفكير المائي الطريق السيار للماء، وهو مشروع يقوم على ربط الأحواض المائية ونقل المياه بين السدود. وقد تم إطلاق الشطر الأول من المشروع لربط حوض سبو بحوض أبي رقراق بهدف نقل المياه من المناطق التي تعرف فائضا نسبيا إلى المناطق التي تعاني من خصاص، خصوصا محور الرباط والدار البيضاء. ويعكس هذا المشروع انتقال السياسة المائية من منطق تدبير كل حوض بشكل منفصل إلى منطق التضامن المائي بين الأحواض.

إلى جانب ذلك، يجري العمل على حلول أخرى مثل إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة في سقي المساحات الخضراء وبعض الأنشطة الفلاحية، إضافة إلى مشاريع التغذية الاصطناعية للفرشات المائية بهدف دعم المخزون الجوفي. كما يتم تنفيذ برامج لحماية المدن والمناطق القروية من الفيضانات عبر تهيئة الأودية وتعزيز شبكات تصريف مياه الأمطار.

وتبرز أهمية هذه الإجراءات في ظل تزايد الظواهر المناخية المتطرفة. فالأمطار الغزيرة التي تأتي بعد فترات طويلة من الجفاف قد تتحول بسرعة إلى سيول جارفة، لأن التربة الجافة تكون أقل قدرة على امتصاص المياه. كما أن التوسع العمراني في بعض المناطق يزيد من مخاطر الفيضانات، خصوصا عندما يتم البناء في مجاري الأودية أو في المناطق المنخفضة.

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المغرب دخل مرحلة جديدة في تدبير الماء، لم تعد تقتصر على مواجهة الندرة فقط، بل أصبحت تشمل أيضا التكيف مع مخاطر الفيضانات المرتبطة بتغير المناخ. ويعني ذلك أن السياسة المائية في السنوات المقبلة ستحتاج إلى الجمع بين عدة أدوات في الوقت نفسه: تعبئة الموارد عبر السدود، وتنويع مصادر المياه عبر التحلية وإعادة الاستعمال، وربط الأحواض المائية، وتعزيز الوقاية من الفيضانات.

وفي النهاية، لم يعد التحدي الحقيقي في المغرب هو فقط توفير المزيد من الماء، بل تدبير تقلباته أيضا. ففي زمن التغير المناخي قد يكون الخطر أحيانا هو قلة الماء، وقد يكون في أحيان أخرى وفرة مفاجئة تتحول إلى فيضانات. وبين هذين الحدين، تتشكل اليوم ملامح السياسة المائية الجديدة في المملكة.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق