في ظل استفحال آثار التغير المناخي، وتكرار سنوات الجفاف، واشتداد أزمة ندرة المياه، بات من الضروري أن تعيد الفلاحة المغربية تموقعها، عبر البحث عن حلول أكثر استدامة وأقل استنزافا للموارد الطبيعية.
وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زراعة الكينوا كنموذج واعد يجمع بين القدرة على التكيف والجدوى الاقتصادية، وهو ما تؤكده النتائج المحققة على الأرض، خاصة بمنصة العرائش التابعة لبرنامج “المثمر” الذي يشرف عليه المكتب الشريف للفوسفاط.
الكينوا، هذا المحصول الصاعد، يعتبر من الزراعات القادرة على الصمود في البيئات القاحلة وشبه الجافة، بفضل مقاومتها للملوحة والحرارة، واستهلاكها المنخفض للمياه، مما يجعلها خيارا زراعيا استراتيجيا في مواجهة التحولات المناخية. ولا تقتصر أهمية الكينوا على بعدها الزراعي، بل تتجاوز ذلك إلى بعدها الغذائي والصحي، نظرا لما تحتويه من نسب عالية من البروتينات والمعادن، ما يمنحها مكانة خاصة في الصناعات الغذائية الحديثة.
في جماعة ريصانة الشمالية بإقليم العرائش، تقدم منصة تطبيقية تابعة لبرنامج “المثمر” نموذجا عمليا لتحول الفلاحة نحو مسارات أكثر مرونة. ويؤكد المهندس عبد الدايم الحجام، المسؤول الجهوي للبرنامج، أن مردودية زراعة الكينوا في هذه المنصة وصلت إلى 25 قنطارا للهكتار، مقابل 14 قنطارا فقط في القطع الزراعية التقليدية، أي بزيادة ناهزت 87%.
وأضاف أن إدماج الكينوا يتم عبر مقاربة علمية وميدانية، بشراكة مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية والفلاحين المحليين، حيث يتم تحليل التربة، وتحديد التسميد المناسب، وضمان المرافقة التقنية في كل مراحل الإنتاج. وتشير المعطيات إلى أن البرنامج بدأ منذ موسم 2022-2023، في تجربة زراعة الكينوا داخل 106 منصة موزعة على 12 إقليما مغربيا، بهدف اختبار جدوى هذه الزراعة في مختلف البيئات.
من جهتها، أبرزت الدكتورة منال المهادي، أستاذة باحثة بالجامعة ذاتها، أن هذا التوجه الزراعي هو ثمرة سبع سنوات من البحث العلمي، تم خلالها تطوير تركيبة تقنية تجمع بين التربة والنبات والمناخ، بما يضمن التكيف مع الإكراهات المحلية ويقدم نموذجا ناجحا للتنمية القروية المستدامة.
وتشير الأرقام إلى أن النتائج التقنية والاقتصادية المحققة في العرائش خلال موسم 2024-2025، خاصة باستخدام صنف Puno، تعزز الآمال في تعميم زراعة الكينوا باعتبارها بديلا فاعلا وواقعيا أمام التحديات المناخية والمائية. ففي حين لم تتجاوز مردودية القطع المرجعية 14 قنطارا، حققت المنصة التجريبية نحو 26 قنطارا للهكتار، بفارق يزيد عن 11 قنطارا، ما يعكس أثر إدماج البحث العلمي في الحقل الفلاحي.
وتؤكد الشهادات الميدانية للفلاحين، من بينهم رضوان خيرون، أن هذه الزراعة فتحت آفاقا جديدة للاستقرار المهني والاقتصادي، خاصة في ظل موجات الجفاف المتكررة، بفضل مردوديتها المرتفعة وتزايد الإقبال على منتوج الكينوا في السوق الوطنية والعالمية.
ولا يقتصر تدخل برنامج “المثمر” على الدعم التقني، بل يتضمن مواكبة شاملة تشمل التكوين، والتأطير الحقلي، وتنظيم مدارس ميدانية للفلاحين، ما يجعل من هذه التجربة نموذجا حقيقيا لفلاحة مستقبلية تضع الإنسان والبيئة في صلب المعادلة.
يشق الكينوا طريقه بثبات، من أمريكا الجنوبية إلى الحقول المغربية، نحو أن يصبح جزءا من الحلول الوطنية لتحقيق الأمن الغذائي، في زمن يتطلب أكثر من أي وقت مضى، زراعات ذكية، ومعرفة دقيقة، وشراكات حقيقية.




















عذراً التعليقات مغلقة