`قراءة في كتاب الدكتور عبد الحكيم الشتيوي “التشريع البيئي من خلال تراث نوازل الغرب الإسلامي”: كيف ينظر التصور الإسلامي إلى علاقة الإنسان بالبيئة`
حين يعاد اليوم طرح سؤال البيئة في النقاشات الفكرية والقانونية المعاصرة، فإن ذلك لا ينفصل عن الإحساس المتزايد بحجم الأزمة البيئية التي يعيشها العالم. فقد أصبح التلوث واستنزاف الموارد الطبيعية وتغير المناخ من القضايا التي تشغل الباحثين وصناع القرار في مختلف أنحاء العالم. غير أن هذا السؤال ليس جديدا تماما، إذ إن علاقة الإنسان بالطبيعة كانت دائما موضوع تفكير في مختلف الثقافات والحضارات. وفي هذا السياق يحاول الدكتور عبد الحكيم الشتيوي في كتابه «التشريع البيئي من خلال تراث نوازل الغرب الإسلامي» أن يقترب من هذه العلاقة من خلال تحليل مفهوم البيئة في ضوء الشريعة الإسلامية، مبرزا أن فهم الإشكال البيئي يقتضي أولا ضبط المفاهيم التي يقوم عليها هذا المجال، لأن تحديد المفهوم يمثل الخطوة الأولى لفهم طبيعة العلاقة بين الإنسان ومحيطه.
يبدأ المؤلف بالعودة إلى المعنى اللغوي لكلمة البيئة، حيث ترجع إلى الجذر «بوأ» الذي يدل على النزول والاستقرار في المكان. ويقال في اللغة: بوأه مكانا، أي أنزله فيه وهيأ له موضعا يقيم فيه. ومن هذا المعنى يتضح أن البيئة تشير في أصلها اللغوي إلى المكان الذي يستقر فيه الإنسان ويعيش فيه، وهو المجال الذي تتشكل داخله علاقته بمحيطه الطبيعي والاجتماعي، وتتحدد داخله أنماط تفاعله مع الموارد والعناصر التي تحيط به.
غير أن مفهوم البيئة لم يبق حبيس هذا المعنى اللغوي، بل اتسع في الدراسات الحديثة ليشمل مجموع العوامل الطبيعية التي تؤثر في حياة الكائنات الحية. ولهذا عرّفها بعض الباحثين بأنها مجموعة الظروف والعوامل الخارجية التي تعيش فيها الكائنات الحية وتؤثر في وجودها ونشاطها. وقد ارتبط هذا المفهوم بعلم «الإيكولوجيا» الذي يعنى بدراسة العلاقات المتبادلة بين الكائنات الحية والوسط الذي تعيش فيه، وهو العلم الذي كشف عن طبيعة الترابط الدقيق بين مختلف عناصر النظام البيئي، بحيث إن أي اختلال في أحد هذه العناصر ينعكس على باقي مكونات المنظومة الطبيعية.
ومع تطور الاهتمام العالمي بالقضايا البيئية، خاصة منذ النصف الثاني من القرن العشرين، ظهرت تعريفات أخرى للبيئة في المجال القانوني الدولي. فقد اعتبر مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة المنعقد في ستوكهولم سنة 1972 أن البيئة تمثل رصيدا من الموارد الطبيعية والاجتماعية المتاحة لإشباع حاجات الإنسان وتطلعاته. ويشير المؤلف إلى أن هذا التعريف يعكس إدراكا متزايدا للطابع المركب للبيئة، باعتبارها مجالا يجمع بين العناصر الطبيعية والعناصر المرتبطة بالنشاط البشري، وهو ما جعل البيئة تتحول تدريجيا إلى موضوع للتشريع والقانون والسياسات العمومية في مختلف الدول.
لكن هذه التعريفات، على أهميتها، تظل في نظر المؤلف جزئية إذا لم توضع في إطار رؤية أوسع للعلاقة بين الإنسان والكون. ويلاحظ في هذا السياق أن الرؤية الإسلامية للبيئة لا تنطلق فقط من المعطيات العلمية أو التعريفات القانونية، بل تستند أساسا إلى تصور كوني وأخلاقي يجعل الإنسان جزءا من نظام متكامل تحكمه سنن دقيقة. فالكون في التصور القرآني ليس مجرد مادة صامتة، بل منظومة منسجمة تقوم على التوازن والاعتدال، وهو ما يعبر عنه القرآن بمفهوم «الميزان» الذي يشير إلى انتظام العلاقات بين عناصر الوجود وعدم اختلالها.
وهنا يبرز التصور الإسلامي الذي يقدم فهما أكثر شمولا للبيئة، إذ ينظر إليها باعتبارها جزءا من النظام الكوني الذي خلقه الله تعالى في حالة من التوازن والدقة. فالبيئة في هذا التصور لا تقتصر على العناصر الطبيعية المحيطة بالإنسان، بل تشمل مجمل الأشياء التي تحيط به بدءا من الأرض التي يعيش عليها وصولا إلى السماء وما تحويه من ظواهر كونية، بما يجعل الكون كله مجالا للتفاعل الإنساني ومساحة للتأمل في نظام الخلق ودقته.
وفي هذا السياق يورد المؤلف تعريفا للبيئة في المنظور الإيماني، حيث يرى بعض الباحثين أنها «مجمل الأشياء التي تحيط بالإنسان بدءا من الأرض التي يعيش عليها وصولا إلى السماء وما بينهما من العوامل والظواهر المختلفة». ويكشف هذا التعريف عن رؤية شاملة تجعل الإنسان جزءا من منظومة كونية مترابطة، وليس كائنا منفصلا عن الطبيعة التي يعيش فيها، بل عنصرا من عناصرها التي تتفاعل فيما بينها ضمن نظام دقيق من العلاقات المتبادلة.
غير أن جوهر التصور الإسلامي لعلاقة الإنسان بالبيئة يتجلى في مفهوم الاستخلاف. فالإنسان في الإسلام ليس مالكا مطلقا للطبيعة، بل هو مستخلف فيها ومسؤول عن حسن تدبيرها. وهو ما ورد في القرآن الكريم من خلال قوله تعالى:«وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة».
فالاستخلاف في هذا السياق لا يعني مجرد التمكين في الأرض، بل يتضمن مسؤولية أخلاقية وسلوكية في التعامل مع مواردها ومكوناتها، ويضع الإنسان في موقع المسؤولية عن الحفاظ على توازن النظام الكوني الذي يعيش داخله.
ومن هنا يبرز البعد الأخلاقي لمفهوم الاستخلاف، إذ لا يتعلق الأمر بحق الانتفاع فقط، بل أيضا بواجب المحافظة والرعاية. فالإنسان في هذا الإطار لا يتعامل مع الطبيعة بمنطق السيطرة المطلقة، وإنما بمنطق الأمانة والمسؤولية، وهو ما يجعل حماية البيئة جزءا من السلوك الأخلاقي الذي يحاسب عليه الإنسان في الدنيا والآخرة.
ومن هنا يصبح الإنسان مؤتمنا على البيئة التي يعيش فيها، مطالبا بإعمارها وتنميتها دون أن يؤدي ذلك إلى الإفساد أو الإضرار بعناصرها. فعمارة الأرض في التصور الإسلامي لا تعني الاستغلال غير المحدود للموارد، بل تعني استخدامها في إطار من الاعتدال والتوازن يحقق مصالح الإنسان ويحفظ في الوقت نفسه النظام البيئي.
ويؤكد المؤلف أن البيئة في هذا المنظور ليست ملكا خاصا للإنسان، بل هي في الأصل ملك لله تعالى، وقد جعل الإنسان مستخلفا فيها ومسؤولا عن حسن تدبيرها. ولهذا فإن أي سلوك يؤدي إلى الإضرار بعناصر البيئة أو استنزاف مواردها يعد خروجا عن مقتضى الاستخلاف الذي جعله الله للإنسان في الأرض، كما يعد شكلا من أشكال الإفساد الذي نهى عنه القرآن الكريم في أكثر من موضع.
ومن خلال هذا الإطار القيمي يتضح أن الإسلام يقدم تصورا متوازنا لعلاقة الإنسان بالطبيعة، يقوم على الجمع بين الانتفاع المشروع بالموارد الطبيعية وبين المحافظة على توازنها واستدامتها. فالإنسان في هذا التصور ليس سيد الطبيعة المطلق، بل جزء من منظومة كونية أوسع يتحمل مسؤولية الحفاظ على توازنها بما يضمن استمرار الحياة وصلاح العمران.
وهكذا يتضح أن التصور الإسلامي للبيئة لا يقوم على الفصل بين الإنسان والطبيعة، بل على إدماجهما ضمن رؤية كونية متوازنة تجعل الحفاظ على عناصر البيئة جزءا من مقاصد العمران البشري. فكل إخلال بهذا التوازن لا ينعكس على الطبيعة وحدها، بل يمتد أثره إلى حياة الإنسان نفسه، باعتباره أحد مكونات هذا النظام الكوني.
ولعل هذه الرؤية هي التي ستنعكس لاحقا في اجتهادات الفقهاء، خاصة في تراث نوازل الغرب الإسلامي، حيث ظهرت العديد من الأحكام التي نظمت استعمال الموارد الطبيعية ومنعت الإضرار بها. وقد تعامل الفقهاء مع قضايا البيئة في سياق الحياة اليومية للناس، فبحثوا في مسائل تتعلق بالمياه والأراضي الزراعية والطرق العامة والغابات والعمران، واضعين لذلك قواعد فقهية تهدف إلى حماية المصالح العامة ومنع الإضرار بالغير.
وهو ما سنقف عنده في الحلقات القادمة من هذه السلسلة حين نتناول كيف تعامل الفقهاء مع قضايا الماء والأرض والزراعة والعمران في واقع المجتمعات الإسلامية.
وفي الحلقة المقبلة سننتقل إلى سؤال آخر لا يقل أهمية، والمتمثل في كيف نشأت الأزمة البيئية الحديثة؟ وكيف أدى التقدم الصناعي وأنماط الاستهلاك المعاصرة إلى اختلال التوازن الطبيعي الذي عرفته الأرض عبر قرون طويلة.




















عذراً التعليقات مغلقة