.الحلقة الثامنة والأخيرة
الاستدامة والعمران البيئي في الفكر الإسلامي: نحو رؤية متوازنة لعلاقة الإنسان بالطبيعة
`قراءة في كتاب الدكتور عبد الحكيم الشتيوي «التشريع البيئي من خلال تراث نوازل الغرب الإسلامي»: كيف يمكن أن يسهم التراث الفقهي في بناء تصور معاصر للاستدامة`
كما تبين في الحلقة السابقة ، فإن الفقه الإسلامي لم يقتصر على معالجة الأضرار بعد وقوعها، بل سعى إلى وضع قواعد وقائية تحول دون حدوثها من الأصل، من خلال مبادئ مثل «لا ضرر ولا ضرار» و«درء المفاسد» و«سد الذرائع». غير أن هذا التوجه الوقائي، على أهميته، لا يمثل نهاية التصور الفقهي لعلاقة الإنسان بالبيئة، بل يشكل مدخلا لمرحلة أعمق تتعلق ببناء التوازن داخل العمران.
فإذا كانت القواعد الوقائية تهدف إلى منع الاختلال، فإن ما يكشفه تحليل الدكتور عبد الحكيم الشتيوي هو أن الفقه الإسلامي كان يسعى في العمق إلى تحقيق حالة من الانسجام بين الإنسان ومحيطه، وهي الحالة التي يمكن التعبير عنها اليوم بمفهوم الاستدامة.
ولا يظهر هذا المعنى من خلال تنظير مجرد، بل من خلال طريقة معالجة الفقهاء لقضايا واقعية، حيث لم يكن الهدف من الأحكام فقط رفع الضرر أو منعه، بل ضمان استمرار الانتفاع بالموارد دون أن يؤدي ذلك إلى استنزافها أو الإضرار بالغير. ولهذا جاءت كثير من الاجتهادات الفقهية محكومة بمنطق يوازن بين الاستعمال والحفاظ، وبين المصلحة الآنية والمآل المستقبلي.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم العمران باعتباره الإطار الذي تتجسد داخله هذه العلاقة. فالعمران في الفكر الإسلامي لا يقتصر على البناء أو التوسع، بل يشمل تنظيم الحياة في مختلف أبعادها، بما يضمن استقرار المجتمع واستمرار موارده. ومن هنا فإن أي إخلال بهذا التوان؛ سواء من خلال الاستغلال المفرط أو الإضرار بالمجال المشترك، كان يعد خروجا عن مقصود العمران نفسه.
ويكشف هذا الفهم عن تصور متكامل يجعل الإنسان جزءا من منظومة أوسع، لا مركزا مطلقا لها، وهو ما يفرض عليه حدودا في التعامل مع الطبيعة، ويمنحه في الوقت نفسه مسؤولية الحفاظ عليها. ومن خلال هذا التوازن بين الحق والمسؤولية، تتشكل ملامح رؤية يمكن أن تؤسس لعلاقة أكثر اعتدالا بين الإنسان والبيئة.
فكيف يمكن فهم الاستدامة في الفقه الإسلامي بشكل أوضح؟
وهل كان هذا المفهوم حاضرا فعلا في اجتهادات الفقهاء أم أنه قراءة معاصرة للنصوص؟
الاستدامة في الفقه الإسلامي – من القاعدة إلى الممارسة
لا يظهر حضور الاستدامة في الفقه الإسلامي من خلال تعريفات نظرية صريحة، بل يتجلى أساسا في طريقة بناء الأحكام وفي طبيعة القضايا التي عالجها الفقهاء في الواقع. فمن خلال النوازل التي عرضت عليهم، يتبين أنهم كانوا يتعاملون مع الموارد الطبيعية باعتبارها عناصر ينبغي تدبيرها في إطار يضمن استمرارها، لا مجرد استغلالها في لحظة زمنية محددة.
ففي القضايا المرتبطة بالماء، مثلا، لم يكن تدخل الفقهاء يقتصر على حل النزاعات بين المزارعين، بل كان يهدف إلى تنظيم الانتفاع بهذا المورد الحيوي بطريقة تمنع احتكاره أو استنزافه. فقد كانوا يلزمون الأطراف باحترام أدوار السقي المتعارف عليها، ويمنعون كل تصرف يؤدي إلى حرمان الآخرين من حقهم في الماء.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بتحقيق العدالة بين الأفراد، بل بحماية مورد أساسي يقوم عليه توازن المجتمع. فالماء في هذا السياق لم يكن مجرد ملكية قابلة للتصرف، بل كان عنصرا مشتركا يجب الحفاظ عليه، وهو ما يقترب كثيرا من التصورات الحديثة التي تنظر إلى الموارد الطبيعية باعتبارها ثروات جماعية.
كما يظهر هذا المعنى في النوازل المتعلقة بالأراضي الزراعية، حيث لم يكن الفقهاء يسمحون بتصرفات تؤدي إلى الإضرار بالمجال الزراعي أو الإخلال بتوازنه. فقد كانوا يمنعون التعدي على حدود الأراضي، ويقيدون بعض أشكال الاستغلال إذا كان من شأنها أن تؤثر سلبا على الأراضي المجاورة.
ويكشف هذا عن وعي بأن الأرض ليست مجرد ملكية فردية، بل جزء من منظومة إنتاجية مترابطة، وأن الإضرار بجزء منها قد ينعكس على باقي مكوناتها. ومن هنا فإن حماية الأرض كانت تعني، في العمق، حماية التوازن الذي يقوم عليه النشاط الزراعي ككل.
ولا يقتصر هذا المنطق على الموارد الطبيعية فقط، بل يمتد أيضا إلى المجال العمراني. ففي النوازل المرتبطة بالبناء، كان الفقهاء يتدخلون لمنع بعض التصرفات التي قد تؤدي إلى الإضرار بالجار أو الإخلال بالمجال المشترك، مثل فتح نوافذ تكشف البيوت أو إقامة بناء يحجب الضوء والهواء.
وهذه الأحكام، وإن بدت في ظاهرها اجتماعية، فإنها تعكس في العمق وعيا بيئيا مبكرا، حيث تم اعتبار عناصر مثل الهواء والضوء جزءا من الحقوق التي يجب الحفاظ عليها داخل المجال العمراني. وهو ما يقارب ما يعرف اليوم بـ الحق في بيئة سليمة.
كما تكشف بعض النوازل عن تصور خاص للموارد المشتركة، مثل الأشجار الموجودة في بعض الفضاءات العامة، حيث أجاز الفقهاء الانتفاع بثمارها ما دام ذلك لا يؤدي إلى الإضرار بها. ويعكس هذا الفهم اعتبار بعض عناصر البيئة منفعة جماعية ينبغي أن تبقى متاحة للجميع في إطار من التوازن.
ومن خلال هذه الأمثلة يتضح أن الفقهاء لم يكونوا ينظرون إلى الموارد باعتبارها موضوعا للاستغلال فقط، بل باعتبارها عناصر تدخل في بناء نظام متوازن يجب الحفاظ عليه. ولهذا جاءت كثير من الأحكام محكومة بمنطق يراعي الاستعمال، لكنه يضع له حدودا تضمن استمراره.
ومن هنا يمكن القول إن الاستدامة في الفقه الإسلامي لم تكن مفهوما نظريا مصاغا، بل كانت حاضرة في الممارسة الفقهية نفسها، من خلال الحرص على منع الاستنزاف، وتنظيم الانتفاع، وحماية التوازن داخل المجتمع.
وإذا كانت هذه النماذج تكشف عن حضور واضح لفكرة الاستدامة في تدبير الموارد والمجال العمراني، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو:
هل يمكن تحويل هذه الرؤية الفقهية إلى أساس لبناء تصور بيئي معاصر يستجيب لتحديات اليوم؟
من التراث إلى الحاضر- نحو تفعيل الرؤية البيئية في الفقه الإسلامي-
إذا كانت النوازل الفقهية قد عكست، في سياقها التاريخي، وعيا عمليا بكيفية تنظيم العلاقة بين الإنسان وموارده الطبيعية، فإن التحدي المطروح اليوم يتمثل في كيفية تحويل هذا الوعي إلى إطار معاصر قادر على التعامل مع تعقيدات الواقع البيئي الحالي.
فالقضايا التي يواجهها العالم اليوم ، من تغير المناخ إلى استنزاف الموارد وتدهور الأنظمة البيئية، تختلف من حيث الحجم والتأثير عما عرفته المجتمعات التقليدية، غير أن منطق التعامل معها لا يخرج، في جوهره، عن الأسئلة نفسها التي حاول الفقهاء الإجابة عنها:
كيف ينظَّم الانتفاع دون استنزاف؟
وكيف تحفظ الموارد دون تعطيل مصالح الناس؟
وفي هذا السياق، تبرز أهمية القواعد الفقهية التي أرساها العلماء، لا باعتبارها أحكاما جزئية مرتبطة بوقائع معينة، بل باعتبارها مبادئ عامة قابلة للتطبيق في سياقات مختلفة. فقاعدة «لا ضرر ولا ضرار» يمكن أن تشكل أساسا لمنع الممارسات التي تؤدي إلى التلوث أو الإضرار بالبيئة، كما أن قاعدة «درء المفاسد» تتيح تبني سياسات وقائية تحول دون وقوع الكوارث البيئية.
غير أن تفعيل هذه القواعد في الواقع المعاصر لا يمكن أن يتم بشكل مباشر، بل يتطلب قراءة جديدة تستحضر مقاصد التشريع وتستفيد في الوقت نفسه من المعطيات العلمية الحديثة. فالقضايا البيئية اليوم أصبحت مرتبطة بأنظمة معقدة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والتكنولوجية، وهو ما يفرض نوعا من الاجتهاد الذي يجمع بين المعرفة الفقهية والخبرة العلمية.
ومن هنا، فإن بناء تصور بيئي معاصر في إطار الفقه الإسلامي لا يعني استنساخ الأحكام القديمة، بل يعني تطويرها في ضوء الواقع، بما يسمح بالحفاظ على روحها واستثمارها في معالجة قضايا جديدة.
الاستدامة كقيمة أخلاقية وتشريعية
ما يميز الفقه الإسلامي في هذا المجال أنه لا يفصل بين البعد القانوني والبعد الأخلاقي، بل يجمع بينهما في إطار واحد. فالإنسان، في هذا التصور، لا يلتزم فقط بما يفرضه القانون، بل يتحرك أيضا وفق منظومة من القيم التي تضبط سلوكه تجاه البيئة.
ولهذا فإن مفاهيم مثل:
• عدم الإسراف
• وحفظ النعم والامتنان
• وتحمل المسؤولية
تشكل جزءا أساسيا من هذا التصور، لأنها تعزز الرقابة الذاتية وتحد من السلوكيات التي قد تؤدي إلى الإضرار بالبيئة، حتى في غياب الرقابة الخارجية.
وهذا البعد الأخلاقي يكتسب أهمية خاصة في القضايا البيئية، لأن كثيرا من هذه القضايا يرتبط بسلوك الأفراد واختياراتهم اليومية، وهو ما يجعل الحلول القانونية وحدها غير كافية إذا لم تدعمها قيم تحكم طريقة التعامل مع الموارد.
نحو إعادة بناء العلاقة مع الطبيعة
تكشف هذه القراءة أن جوهر الإشكال البيئي لا يكمن فقط في نقص القوانين أو ضعف التقنيات، بل في طبيعة العلاقة التي يقيمها الإنسان مع محيطه. فإذا كانت هذه العلاقة قائمة على الاستغلال المفرط، فإن أي تقدم تقني قد يتحول إلى وسيلة لمزيد من الإضرار.
أما إذا أعيد بناء هذه العلاقة على أساس التوازن والمسؤولية، فإن الإمكانات المتاحة يمكن أن تتحول إلى أدوات لحماية البيئة بدل الإضرار بها.
ومن هنا، فإن الرؤية التي يقدمها الفقه الإسلامي؛ كما تعكسها نوازل الغرب الإسلامي، تقوم على تصور يجعل الإنسان جزءا من منظومة متكاملة، ويضع له حدودا في التعامل مع الطبيعة، دون أن يمنعه من الانتفاع بها.
وفي ضوء ما سبق، يتضح أن تراث النوازل في الغرب الإسلامي لا يمثل مجرد سجل تاريخي لاجتهادات فقهية، بل يشكل رصيدا فكريا يمكن أن يسهم في إعادة التفكير في القضايا البيئية المعاصرة.
فهذا التراث يقدم نموذجا يقوم على:
• التوازن بدل الاستنزاف
• الوقاية بدل المعالجة
• والمسؤولية بدل الهيمنة
وهي مبادئ تظل اليوم في صلب النقاشات البيئية العالمية.
ولهذا فإن استحضار هذا التراث لا ينبغي أن يفهم باعتباره عودة إلى الماضي، بل باعتباره خطوة نحو بناء تصور أكثر توازنا لعلاقة الإنسان بالطبيعة، يجمع بين متطلبات التنمية وضرورة الحفاظ على البيئة.
كشف هذه السلسلة، من خلال قراءة كتاب «التشريع البيئي من خلال تراث نوازل الغرب الإسلامي»، أن الفقه الإسلامي لم يكن بعيدا عن قضايا البيئة كما قد يتصور، بل تناولها ضمن رؤية متكاملة تقوم على تنظيم العلاقة بين الإنسان ومحيطه في إطار من التوازن والمسؤولية.
فمن خلال اجتهادات الفقهاء، يتضح أن حماية الموارد، ومنع الضرر، وتنظيم العمران، لم تكن قضايا جزئية معزولة، بل كانت جزءا من تصور أوسع يسعى إلى تحقيق استقرار المجتمع وضمان استمرار الحياة في شروط متوازنة. وهو ما يجعل هذا التراث، رغم سياقه التاريخي، قابلا لإعادة القراءة في ضوء التحديات البيئية المعاصرة.
غير أن استحضار هذا التراث لا يعني الاكتفاء باستعادته، بل يقتضي إعادة تفعيله في سياق جديد، يجمع بين القيم التي أسس لها الفقه الإسلامي والمعطيات التي يفرضها الواقع اليوم. فالأزمة البيئية التي يعيشها العالم ليست فقط أزمة موارد، بل هي في جوهرها أزمة علاقة اختلت موازينها بين الإنسان والطبيعة.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في البحث عن حلول تقنية فقط، بل في إعادة بناء هذه العلاقة على أساس من الاعتدال والمسؤولية، بما يضمن تحقيق التوازن بين حاجات الإنسان ومتطلبات الحفاظ على البيئة.






















عذراً التعليقات مغلقة