من الجفاف إلى الطوفان: تقرير أممي يحذر من اضطراب غير مسبوق في الدورة الهيدرولوجية

ECO1726 سبتمبر 2025

من الجفاف إلى الطوفان: تقرير أممي يحذر من اضطراب غير مسبوق في الدورة الهيدرولوجية

تحذر المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من واقع مائي غير مسبوق تتأرجح فيه دول العالم بين موجات جفاف مطولة وفيضانات عارمة، مؤكدة أن تغير المناخ يعيد تشكيل الدورة الهيدرولوجية ويربك المواسم التقليدية للأمطار.

ما المقصود بالدورة الهيدرولوجية؟ هي حركة الماء المستمرة بين خزاناته الطبيعية: يتبخر من المحيطات واليابسة، يتكاثف في الغلاف الجوي، يهطل مطرا أو ثلجا، ثم يجري على السطح أو يتسرب إلى باطن الأرض ليعيد تغذية الخزانات الجوفية ويعود جزء كبير منه إلى البحار. أي أنها الميزان الديناميكي للماء على الكوكب.

وتظهر المعطيات أن مشاهد التربة المتشققة وحقول عطشى في مناطق من إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، تقابلها سيول جارفة وأمطار استثنائية في أقاليم أخرى، ليست حوادث متفرقة بل ملامح لمرحلة من “اللايقين الهيدرولوجي”. ويضيف تقرير المنظمة أن ارتفاع درجات الحرارة يرفع معدلات التبخر ويفاقم الطلب على المياه، فيما يسرع ذوبان الجليد القطبي وتمدد البحار، ويغير خرائط المخاطر ويزيد تذبذب الدورة الهيدرولوجية بين الجفاف والفيضانات.

وتتجلى الآثار الاقتصادية والاجتماعية سريعا: فالجفاف يضغط على الإنتاج الزراعي ويرفع أسعار الغذاء ويستنزف الموارد الجوفية، بينما تخلف الفيضانات خسائر بمليارات في البنيات التحتية والمساكن وتقطع طرق الإمداد. ويترجم هذا الضغط على شكل موجات نزوح داخلية وهشاشة معيشية أعلى في المدن والقرى، مع تصاعد تنافس حاد على الموارد المائية المشتركة.

ويرسم التقرير خريطة عمل عاجلة عنوانها التكيف والوقاية، يدعو فيها إلى تحديث شبكات الرصد والمراقبة الهيدرولوجية وربطها بأنظمة إنذار مبكر تعمل لحظيا وتصل إلى المجتمعات الأكثر هشاشة، والاستثمار في بنية تحتية مائية مرنة قادرة على “تخزين القطرات” وقت الوفرة و”ترويض السيول” وقت الشدة، من خلال السدود الذكية وإعادة تغذية الفرشات المائية وحلول الطبيعة مثل استعادة السهول الفيضية والأراضي الرطبة. كما يشدد على تبني زراعات أقل استهلاكا للماء، وتوسيع تقنيات السقي المقتصد، وتحسين إدارة الطلب في المدن والصناعة، إلى جانب تخطيط حضري يراعي تصريف مياه الأمطار والحد من البناء في مجاري الأودية.

ويؤكد التقرير أن الماء مورد عابر للحدود وأن الاستجابة الفعالة لا يمكن أن تكون محلية فقط؛ بل تستوجب تعاونا إقليميا لمشاركة البيانات الهيدرولوجية والإنذارات، وتنسيق تشغيل السدود والأنهار المشتركة، وتمويلات ميسرة لمشاريع التكيف، مع إدماج إدارة المخاطر المائية في سياسات المناخ والطاقة والغذاء.

إن عبارة “من الجفاف إلى الطوفان” ليس استعارة بل توصيف دقيق لزمن مناخي جديد. وبين قطبي الندرة والفيض، يفرض الواقع إعادة تعريف علاقتنا بالماء عبر فهم أفضل لـالدورة الهيدرولوجية وإدارة وقائية قائمة على الأدلة. ومن دون إجراءات حازمة وسريعة، قد تتحول فوضى الميزان المائي إلى أحد أخطر التهديدات العابرة للأجيال في القرن الحادي والعشرين.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق