لماذا لا يزال المغرب بعيدا عن المراتب المتقدمة في مؤشر السعادة العالمي؟

ECO1723 مارس 2026
لماذا لا يزال المغرب بعيدا عن المراتب المتقدمة في مؤشر السعادة العالمي؟

في الوقت الذي تواصل فيه بعض الدول تحقيق مراتب متقدمة في جودة الحياة، يكشف تقرير السعادة العالمي لسنة 2026 أن المغرب لا يزال في المرتبة 112 عالميا، وهو ترتيب يعكس تحديات بنيوية تتجاوز البعد الاقتصادي الصرف. ويعتمد التقرير في تصنيف الدول على مجموعة من المؤشرات المركبة، في مقدمتها الناتج الداخلي للفرد، والدعم الاجتماعي، ومتوسط العمر الصحي، والحرية في اتخاذ القرارات الحياتية، ومستوى الكرم، ثم إدراك الفساد. وتقاس هذه العناصر انطلاقا من تقييم الأفراد لحياتهم اعتمادا على معطيات مؤسسة غالوب للاستطلاعات، وهو ما يجعل المؤشر أقرب إلى قياس الإحساس العام بالرضا عن الحياة وليس فقط المعطيات المادية.

أول ما يلفت الانتباه في قراءة وضع المغرب هو أن العامل الاقتصادي، رغم أهميته، لا يفسر وحده مستوى السعادة. صحيح أن الناتج الداخلي للفرد يساهم بحوالي 30 % في تحديد مؤشر السعادة، غير أن التقرير يبرز بوضوح أن ضعف الدعم الاجتماعي يشكل أحد أبرز نقاط الضعف، حيث يحتل المغرب مراتب متأخرة جدا في هذا المؤشر. هذا المعطى يكشف تحولات عميقة داخل البنية المجتمعية، من بينها تراجع الروابط التضامنية التقليدية وصعود أنماط عيش أكثر فردانية، خاصة في المدن الكبرى.

إلى جانب ذلك، يسجل التقرير تراجعا تدريجيا في المشاعر الإيجابية مقابل ارتفاع المشاعر السلبية منذ سنة 2010، وهو تطور يعكس ضغط الحياة اليومية وتزايد الإحساس بعدم اليقين، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي. كما أن ارتفاع مؤشر عدم المساواة يساهم بدوره في تعميق هذا الشعور، حيث تتسع الفجوة في الرضا عن الحياة بين الفئات، وهو ما ينعكس على المزاج العام داخل المجتمع.

في المقابل، يظل عنصر “مساعدة الغرباء” نقطة مضيئة نسبيا، إذ يظهر المغاربة استعدادا للتعاون في الحياة اليومية، رغم ضعف العمل التطوعي المنظم أو التبرعات المالية. غير أن هذا السلوك، رغم أهميته، لا يكفي لتعويض غياب منظومة متكاملة للدعم الاجتماعي والمؤسساتي.

وعند مقارنة المغرب بدول الخليج، يتضح أن الفارق لا يرتبط فقط بمستوى الدخل، بل أيضا بجودة الخدمات العمومية، ومستوى الثقة في المؤسسات، وفعالية السياسات الاجتماعية. فالسعادة، كما يؤكد التقرير، ليست مجرد مؤشر اقتصادي، بل هي نتيجة تفاعل معقد بين الحرية الفردية، والعدالة الاجتماعية، والتماسك المجتمعي.

وفي سياق البحث عن العوامل غير المباشرة للسعادة، تبرز الثقافة والقراءة كأحد العناصر المؤثرة، وإن لم تدرج صراحة ضمن مؤشرات التقرير. إذ تظهر التجارب الدولية أن المجتمعات ذات معدلات القراءة المرتفعة غالبا ما تسجل مستويات أعلى من الوعي والثقة والتماسك الاجتماعي، وهي عناصر تنعكس بدورها على الإحساس العام بالرضا عن الحياة. غير أن هذه العلاقة تظل مركبة، حيث تتداخل القراءة مع جودة التعليم وقوة المؤسسات، ما يجعلها جزءا من منظومة أشمل لإنتاج السعادة وليس عاملا مستقلا عنها.

في المحصلة، يكشف تقرير 2026 أن التحدي الحقيقي أمام المغرب لا يكمن فقط في تسريع النمو الاقتصادي، بل في إعادة بناء التوازن الاجتماعي وتعزيز الثقة والتضامن، باعتبارها عناصر حاسمة في تحقيق رفاه شامل ومستدام.

 

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق