سجلت أوروبا هذه السنة مستوى قياسيا لانبعاثات الكربون الناتجة عن حرائق الغابات منذ بدء جمع السجلات قبل ثلاثة وعشرين سنة، إذ بلغت حتى منتصف شتنبر نحو 12.9 مليون طن متري من الكربون، وفق رصد الغلاف الجوي التابع لبرنامج كوبرنيكوس. هذا الرقم يتجاوز القمة السابقة البالغة 11.4 مليون طن في سنتي 2003 و2017، ويعادل تقريبا 47.3 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون عند اعتماد معامل التحويل العلمي (1 طن كربون ≈ 3.67 طن CO₂).
وتوضح المعطيات ذاتها أن موجة الحرائق التي اجتاحت شبه الجزيرة الإيبيرية خلال غشت الماضي قلبت الموازين، بعدما شكلت حرائق إسبانيا والبرتغال وحدها أكثر من ثلاثة أرباع الانبعاثات الأوروبية المسجلة في ذلك الشهر، إثر أسابيع حارة وجافة ورياح نشطة غذت سلوكا ناريا شديدا على نحو غير معتاد.
وإلى جانب القفزة في الانبعاثات، تكشف البيانات الأوروبية أن صيف إسبانيا كان من بين الأشد حرارة على السجل الحديث، وهو ما انعكس مباشرة على موسم حرائق ممتد زمنيا وشديد الكثافة مكانيا.
الفكرة الجوهرية هنا أن أوروبا تدخل طورا جديدا من مخاطر الحرائق، حيث تتحول موجات الحر والجفاف الطويلة من أحداث نادرة إلى نمط متكرر بفعل الاحترار العالمي، على ما تؤكده دراسات الإسناد المناخي الحديثة التي رفعت بشكل ملحوظ احتمال وقوع ظروف شبيهة بتلك التي غذت حرائق غشت في إيبيريا.
وتتعدى آثار هذا الموسم حدود الغابات إلى الصحة العامة والاقتصاد، فقد تدهورت جودة الهواء بشكل ملحوظ في بؤر الحرائق وعلى امتداد مسارات الدخان العابرة للحدود، مع ارتفاع تركيز الجسيمات الدقيقة وما يرافقه من مخاطر على الفئات الهشة. كما أثرت الحرائق في التنقل، والسياحة، وسلاسل الإمداد المحلية، وأثقلت ميزانيات الإطفاء والتعافي.
بهذه المؤشرات، تبدو 2025 منعطفا في “بصمة حرائق الغابات” على القارة: انبعاثات قياسية حتى منتصف شتنبر، وهيمنة واضحة لحرائق إيبيريا على المشهد الأوروبي، وصيف استثنائي الحرارة يطيل عمر الموسم ويزيد حدته. لقد باتت نافذة الخطر أوسع، ومعها تتعاظم الحاجة إلى استراتيجيات وقائية واستثمارات ذكية توازن بين حماية الأرواح والموارد الطبيعية، وبين الاستجابة الفورية وخفض مسببات الأزمة على المدى الطويل.





















عذراً التعليقات مغلقة