عاد النقاش حول مستقبل الطاقة النووية في المغرب إلى الواجهة في سياق التحولات التي يعرفها قطاع الطاقة عالميا، خاصة بعد القمة العالمية للطاقة النووية التي احتضنتها باريس سنة 2026 بتنظيم مشترك بين الحكومة الفرنسية والوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقد أعادت هذه القمة التأكيد على الدور المتزايد للطاقة النووية ضمن الجهود الدولية الرامية إلى تقليص الانبعاثات الكربونية وتأمين مصادر مستقرة للكهرباء. وفي هذا السياق يبرز سؤال داخل النقاش الطاقي المغربي: هل يتجه المغرب فعلا إلى إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية؟ المعطيات الرسمية تشير إلى أن هذا الخيار لا يزال في مرحلة الدراسة الاستراتيجية طويلة المدى، حيث يواصل المغرب بناء الأسس العلمية والمؤسساتية التي قد تسمح له مستقبلا بالنظر في هذا الخيار دون أن يكون قد اتخذ قرارا رسميا في هذا الاتجاه حتى الآن.
الأساس العلمي والبحثي موجود منذ عقود
يتوفر المغرب منذ سنوات على قاعدة علمية في المجال النووي، تتمثل أساسا في المركز الوطني للطاقة والعلوم والتقنيات النووية الذي يشرف على مركز الدراسات النووية بالمعمورة قرب الرباط. ويضم هذا المركز مفاعلا بحثيا من نوع TRIGA دخل الخدمة سنة 2007، ويستخدم أساسا في البحث العلمي وإنتاج النظائر المشعة المستعملة في الطب والصناعة والزراعة، إضافة إلى تكوين الكفاءات الوطنية في الفيزياء النووية والهندسة الإشعاعية. ورغم أن هذا المفاعل لا ينتج الكهرباء، فإنه يشكل قاعدة علمية وتقنية مهمة لتطوير الخبرة الوطنية في مجال التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية.
الإطار القانوني والتنظيمي للطاقة النووية
عمل المغرب خلال السنوات الأخيرة على تعزيز الإطار القانوني والمؤسساتي المنظم لاستخدام الطاقة النووية والإشعاعية. وفي هذا السياق تم إحداث الوكالة المغربية للأمن والسلامة في المجالين النووي والإشعاعي، وهي الهيئة المكلفة بتنظيم ومراقبة الأنشطة المرتبطة بالإشعاع والمواد النووية وضمان احترام معايير السلامة الدولية. كما يرتبط المغرب باتفاقيات تعاون وتقارير رقابية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في إطار الالتزام بالاستخدام السلمي والمسؤول للتكنولوجيا النووية.
لماذا يدرس المغرب خيار الطاقة النووية؟
يرتبط التفكير في إمكانية إدخال الطاقة النووية إلى المزيج الطاقي المغربي بعدة عوامل استراتيجية. أول هذه العوامل يتمثل في الارتفاع المتواصل للطلب الوطني على الكهرباء نتيجة النمو الاقتصادي والتوسع العمراني والتصنيع. أما العامل الثاني فيتعلق بالحاجة إلى مصادر طاقة مستقرة تدعم الشبكة الكهربائية، خاصة وأن الطاقات المتجددة مثل الطاقة الشمسية والريحية تبقى مرتبطة بتقلبات الطبيعة. ويأتي العامل الثالث في سياق التحول العالمي نحو مصادر طاقة منخفضة الانبعاثات الكربونية، وهو ما دفع عددا متزايدا من الدول إلى إعادة النظر في دور الطاقة النووية ضمن سياساتها الطاقية.
المفاعلات النووية الصغيرة كخيار تقني محتمل
تشير النقاشات الدولية في مجال الطاقة إلى أن الدول التي تفكر في إدخال الطاقة النووية قد تتجه مستقبلا نحو ما يعرف بالمفاعلات النووية الصغيرة المعيارية، وهي تكنولوجيا حديثة تتميز بانخفاض تكلفتها مقارنة بالمفاعلات التقليدية وبمرونة أكبر في التشغيل وسرعة الإنجاز. غير أن هذا الخيار يبقى في الحالة المغربية ضمن السيناريوهات التقنية الممكنة التي يناقشها خبراء الطاقة، دون وجود إعلان رسمي باعتماد هذه التكنولوجيا حتى الآن.
موقع المغرب مقارنة بدول المنطقة
على مستوى شمال إفريقيا تختلف مستويات التقدم في المجال النووي بين الدول. فقد شرعت مصر بالفعل في بناء محطة الضبعة النووية لإنتاج الكهرباء، بينما تمتلك الجزائر عدة مفاعلات بحثية وتدرس بدورها تطوير برنامج نووي للطاقة. أما المغرب فيوجد حاليا في مرحلة بناء القدرات العلمية والمؤسساتية وتطوير الإطار التنظيمي، وهو ما يعكس مقاربة تدريجية تقوم على التحضير العلمي والتقني قبل اتخاذ أي قرار استثماري كبير في مجال الطاقة النووية.
مستقبل الطاقة النووية بالمغرب
إذا كان المغرب قد نجح خلال السنوات الماضية في تحقيق تقدم ملحوظ في مجال الطاقات المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية والريحية، فإن النقاش حول الطاقة النووية يعكس بحثا أوسع عن توازن مستقبلي في المزيج الطاقي الوطني. فمع تزايد الطلب على الكهرباء وتسارع التحول الصناعي والرقمي، قد يصبح تنويع مصادر الطاقة أكثر إلحاحا في العقود المقبلة. وفي هذا السياق يبدو أن المغرب يفضل حاليا نهجا تدريجيا يقوم على تطوير الخبرة العلمية وبناء الإطار المؤسسي ومتابعة التطورات التكنولوجية الدولية، حتى يكون قادرا في المستقبل على اتخاذ قرار مبني على معطيات علمية واقتصادية واضحة بشأن إدماج الطاقة النووية ضمن منظومته الطاقية.






















عذراً التعليقات مغلقة