الأرز الأطلسي والسياسات البيئية بالمغرب في سياق تغير المناخ
أضحت إشكالية الأرز الأطلسي بالمغرب تتجاوز حدود التحليل البيئي والطبيعي، لتطرح نفسها ضمن صلب النقاش المرتبط بالسياسات البيئية والمناخية، باعتبارها أحد الرهانات الاستراتيجية في مجال حماية النظم الغابوية ومواجهة آثار التغير المناخي. فالتراجع الذي تعرفه غابات الأرز لم يعد يفهم فقط كنتيجة لعوامل طبيعية، بل كنتاج لتفاعل معقد بين التحولات المناخية، والاختيارات العمومية، وأنماط التدبير المعتمدة.
ويفرض هذا المعطى مقاربة تحليلية تتجاوز الوصف، نحو مساءلة الإطار المؤسساتي والقانوني الذي يؤطر السياسة البيئية بالمغرب، ومدى قدرته على استيعاب الخصوصيات الإيكولوجية للأرز الأطلسي، خاصة ما يتعلق بالعوامل الجيولوجية والهيدرولوجية التي تم إبرازها في المحاور السابقة. كما يطرح هذا السياق سؤال نجاعة السياسات المعتمدة في التكيف مع التغير المناخي، ومدى انتقالها من منطق التدخل الظرفي إلى منطق التخطيط الاستراتيجي المندمج.
وانطلاقا من ذلك، يهدف هذا الجزء إلى تحليل موقع الأرز الأطلسي داخل السياسة البيئية المغربية، من خلال تتبع تطور الإطار المؤسساتي والتشريعي، ثم تقييم السياسات الغابوية والمناخية المعتمدة، مع إبراز حدودها وإكراهاتها في مواجهة التحولات البيئية الراهنة.
1. تطور السياسة البيئية والغابوية بالمغرب: السياق والأهداف
عرفت السياسة البيئية بالمغرب تطورا تدريجيا، ارتبط في بداياته بالهاجس المرتبط بحماية الموارد الطبيعية من الاستنزاف، قبل أن يتوسع ليشمل رهانات التنمية المستدامة والتكيف مع التغير المناخي. وفي هذا الإطار، احتلت الغابات موقعا متقدما ضمن أولويات التدخل العمومي، بالنظر إلى دورها البيئي والاقتصادي والاجتماعي.
ويلاحظ أن المقاربة الغابوية بالمغرب انتقلت من منطق الحماية الزجرية، الذي ركز أساسا على منع الاستغلال غير القانوني، إلى منطق التدبير المندمج، الذي يسعى إلى التوفيق بين المحافظة على الغطاء الغابوي وضمان استدامة الاستعمالات المحلية. غير أن هذا التحول ظل، في كثير من الحالات، محكوما بإكراهات ميدانية، تتعلق بضعف الموارد، وتعدد المتدخلين، وتداخل الاختصاصات.
وبخصوص الأرز الأطلسي، تم إدماجه ضمن البرامج الوطنية لحماية الغابات، باعتباره نوعا غابويا مهددا، وذا قيمة بيئية عالية. غير أن هذا الإدماج ظل في الغالب ذا طابع عام، دون تخصيص مقاربات دقيقة تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات البيئية والجيولوجية للمجالات التي ينتشر بها الأرز.
ويبرز هذا الوضع أن السياسة الغابوية، رغم تطورها على المستوى الخطابي والمؤسساتي، ما زالت تواجه تحدي الانتقال من مقاربة موحدة إلى مقاربة ترابية تراعي خصوصيات كل نظام بيئي على حدة.
2. الأرز الأطلسي بين منطق الحماية القانونية وإكراهات التدبير الميداني
يشكل الإطار القانوني المنظم للغابات أحد الركائز الأساسية للسياسة البيئية بالمغرب، حيث يهدف إلى حماية الثروة الغابوية وضمان استدامتها. غير أن تطبيق هذا الإطار، خاصة في ما يتعلق بغابات الأرز، يواجه إكراهات متعددة، تتراوح بين الضغط البشري، والاستغلال غير المنظم، وتأثير العوامل المناخية المتزايدة.
ويبرز، في هذا السياق، تناقض واضح بين منطق الحماية القانونية الصارمة، التي تضع الأرز ضمن المجالات المحمية، وبين واقع التدبير الميداني، الذي يصطدم بحاجيات الساكنة المحلية، وبضعف الإمكانيات التقنية واللوجستيكية. كما أن المقاربة القانونية غالبا ما تتعامل مع الغابة كوحدة متجانسة، دون تمييز كاف بين الأنواع الغابوية من حيث حساسيتها للتغير المناخي.
ويؤدي هذا التباين إلى محدودية نجاعة التدخلات العمومية، حيث تظل إجراءات الحماية غير قادرة، لوحدها، على مواجهة التدهور البيئي المتسارع. ويكشف هذا الوضع عن الحاجة إلى إعادة التفكير في آليات تدبير الأرز الأطلسي، من خلال إدماج المعطيات العلمية المرتبطة بالجيولوجيا، والماء، والمناخ، ضمن أدوات اتخاذ القرار البيئي.
3. السياسات المناخية وبرامج التكيف (موقع الغابات والأرز الأطلسي)
أفرز تنامي الوعي العالمي بمخاطر التغير المناخي انخراطا تدريجيا للمغرب في بلورة سياسات مناخية تروم التخفيف من آثار هذه الظاهرة والتكيف معها. وقد ترجم هذا التوجه في إعداد استراتيجيات وطنية متعددة، تم إدراج الغابات ضمنها باعتبارها مكونا أساسيا في التوازنات البيئية، ورافعة طبيعية للتخفيف من آثار الاحترار المناخي.
غير أن إدماج الغابات، ومن ضمنها غابات الأرز الأطلسي، ضمن السياسات المناخية ظل في الغالب ذا طابع عام، يركز على الأدوار الكربونية والوقائية، دون تعميق كاف للخصوصيات الإيكولوجية لكل نظام غابوي. ويلاحظ أن الأرز يدرج غالبا ضمن خانة “الأنواع المتأثرة بالتغير المناخي”، دون أن يقابل ذلك بسياسات تكيف دقيقة تستند إلى تحليل علمي معمق لدينامية الماء، وطبيعة التربة، والبنية الجيولوجية.
ويؤدي هذا الطابع العام إلى محدودية نجاعة برامج التكيف، خاصة في المجالات الجبلية التي تعرف تراكبا بين الهشاشة المناخية والتعقيد البيئي. كما أن التركيز على المؤشرات المناخية العامة، كدرجات الحرارة والتساقطات، يغفل أحيانا دور العوامل البنيوية العميقة التي تتحكم في استدامة الغطاء الغابوي، وعلى رأسها المياه الجوفية والتخزين الطبيعي داخل التكوينات الصخرية.
4. محدودية المقاربة التقنية في غياب الرؤية البيئية المندمجة
تظهر دراسة السياسات البيئية المعتمدة أن التدخلات الموجهة لحماية الأرز الأطلسي غالبا ما تتخذ طابعا تقنيا جزئيا، يركز على إعادة التشجير، أو محاربة الآفات، أو الحد من الاستغلال غير القانوني. وعلى الرغم من أهمية هذه الإجراءات، فإنها تظل غير كافية في غياب رؤية بيئية مندمجة تراعي تعقيد النظام الطبيعي الذي يحتضن الأرز.
ويبرز هذا القصور بشكل خاص عند إغفال البعد الجيولوجي والهيدرولوجي في التخطيط البيئي، حيث يتم التعامل مع الغابة كوحدة سطحية، دون إدماج كاف لدينامية المياه الجوفية وشروط تغذيتها. وقد نبهت الكتابات الهيدرولوجية، ومنها أعمال Robert P. Ambroggi، إلى أن فشل العديد من السياسات البيئية في المجالات شبه الجافة يعود إلى تجاهل “الزمن المائي الباطني”، أي ذلك الإيقاع البطيء لتخزين الماء وتحريره داخل باطن الأرض، والذي يشكل شرطا حاسما لاستقرار النظم البيئية الجبلية .
ويكشف هذا التحليل أن المقاربة التقنية، حين تنفصل عن فهم شامل للوسط الطبيعي، قد تؤدي إلى نتائج محدودة أو ظرفية، بل وقد تفاقم الاختلالات القائمة، خاصة إذا لم تراع القدرة الحقيقية للمجال على التجدد الذاتي.
5. نحو سياسة بيئية ترابية قائمة على المعرفة العلمية
يفرض واقع الأرز الأطلسي بالمغرب الانتقال من سياسة بيئية ذات منطق مركزي موحد، إلى سياسة ترابية تبنى على تشخيص علمي دقيق لخصوصيات كل مجال غابوي. ويقتضي هذا التحول إدماج نتائج الأبحاث الجيولوجية والهيدرولوجية والمناخية في صياغة السياسات العمومية، بدل الاقتصار على مقاربات قطاعية منفصلة.
وتكمن أهمية هذا التوجه في كونه يسمح بملاءمة أدوات التدخل مع القدرات البيئية الحقيقية للمجال، سواء تعلق الأمر بتحديد المناطق القابلة لإعادة التشجير، أو ضبط كثافة الاستغلال، أو اختيار أصناف أكثر ملاءمة للظروف المناخية المستقبلية. كما يتيح هذا النهج تعزيز نجاعة برامج التكيف المناخي، من خلال ربطها بالمعطيات العلمية المحلية بدل الاعتماد على نماذج عامة.
ويبرز هذا الأفق أن حماية الأرز الأطلسي لم تعد مسألة تقنية أو قانونية فقط، بل رهانا سياسيا وبيئيا يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين المعرفة العلمية وصنع القرار العمومي، في اتجاه مقاربة أكثر تكاملا واستدامة.




















عذراً التعليقات مغلقة