السودان: لماذا تحول انزلاق دارفور إلى كارثة مضاعفة؟

ECO174 سبتمبر 2025

السودان: لماذا تحول انزلاق دارفور إلى كارثة مضاعفة؟
إيمان بنسعيد

لم تكن فاجعة ترسين، شرق جبل مُرّة، حادثا طبيعيا عابرا بقدر ما كانت مرآة مكبرة لبلد ممزق. مساء 31 غشت الماضي، انزلق سفح جبلي فابتلع القرية تقريبا، لتتراوح تقديرات الضحايا بين المئات وأكثر من ألف بين قتيل ومفقود، فيما يصعب حسم الأرقام بسبب انقطاع الاتصالات وتعذر الوصول.

في بلد أنهكته الحرب وتقطعت أوصاله بالصراع السياسي والعسكري، جاءت الطبيعة لتضيف جرحا جديدا إلى جسد مثخن، ولتكشف كيف يتحول حدث جيولوجي إلى مأساة مركبة حين يلتقي مع هشاشة الدولة وانقسام السلطة.

ما حدث في ترسين لم يكن انفجارا في الجبال بقدر ما كان انفجارا في منظومة الاستجابة. هطول الأمطار الغزيرة فوق تضاريس شديدة الانحدار، وطرقات وعرة غير ممهدة، وموسم فيضانات في قلب كتلة بركانية قديمة، كلها عوامل معروفة في كتب المخاطر الطبيعية. غير أن الحرب حولتها إلى كارثة مضاعفة: نقاط عبور مغلقة، مخاطر أمنية، نقص وقود واتصالات، ومناطق خارج خدمات السلطات الرسمية ومنظمات الإغاثة. هكذا ضاعت الساعات الذهبية للإنقاذ بين جغرافيا قاسية وجغرافيا سياسية أقسى.

التفاعل الرسمي جاء، في أفضل أوصافه، مرتبكا ومجزأ. تنازع الشرعية بين سلطات الأمر الواقع انعكس بطئا في إعلان الطوارئ، وغيابا لخطة موحدة للإغاثة، وتوظيفا سياسيا يضع صورة كل طرف قبل إنقاذ الأرواح.

كان يفترض أن تدفع فداحة الكارثة إلى هدنة إنسانية فورية ومحددة تسمح بعبور آمن للمساعدات وفرق البحث والانتشال، لكن ما ظهر للعيان هو برود في القرار وتبادل بيانات يفوقه شح في الأفعال. ليس مستغربا، إذا، أن يصف باحثون سودانيون المأساة بأنها جرس إنذار لتمييع المسؤولية وضياع القرار وسط ضجيج السلاح.

ورغم قسوة المشهد، لا ينبغي النظر إلى انزلاق ترسين بوصفه حدثا معزولا. تاريخ جبل مُرّة ومحيطه عرف انزلاقات أقل حجما، من أبرزها حادثة شتنبر 2018 التي حصدت عشرات الأرواح، ما يعني أن الخطر قائم بنيويا حيث تتجاور الانحدارات الحادة مع تربة مشبعة بالمياه. تتداول بعض الروايات المحلية واقعة في 2016، لكنها تفتقر إلى توثيق مستقل راسخ؛ وهذا بحد ذاته يسلط الضوء على مشكلة بنيوية أخرى: ضعف التوثيق وندرة قواعد المعطيات التي تبنى عليها سياسات الحد من المخاطر.

العامل المناخي يزيد الصورة قتامة، فموجات الأمطار  الأثقل والأشد تركزا باتت أكثر شيوعا في إقليم دارفور، ومعها تتضاعف احتمالات الانهيارات والسيول في البيئة الجبلية الهشة. حتى لو توقفت الحرب غدا، فإن نمط الطقس الأشد تطرفا سيحول أي تقصير في التخطيط وطريقة البناء ومراقبة المنحدرات إلى ثغرة دائمة يدفع ثمنها السكان في الأرواح والممتلكات. بكلمات أبسط: تغير المناخ لا يصنع الكوارث وحده، لكنه يرفع كلفة الإهمال إلى مستويات قاتلة.

عمليا، ما يلزم الآن ليس بيانا جديدا، بل إجراءات دقيقة وسريعة: هدنة إنسانية مؤقتة ومحددة جغرافيا حول ترسين ومحيطها، بآلية اتصال ميدانية واضحة وخرائط ممرات متفق عليها، قادرة على تحييد الاشتباكات ولو لأيام، خطة وصول متعددة المسارات تستثمر أي نافذة طقس، وتدخل معدات خفيفة وفرق بحث محلية مدربة، وتدعمها اتصالات تعمل بالطاقة الشمسية لتجاوز تعطل الشبكات، إدارة وفيات كريمة مع توثيق سريع للهويات وسجلات للمفقودين، ودعم نفسي أولي للناجين، ومراقبة هندسية فورية للتشققات والانزلاقات الثانوية على السفوح.

خلاصة ما تقوله ترسين عن السودان اليوم أن المعلومة سلطة، وأن غيابها يقتل. تضارب الأرقام ليس ترفا صحفيا، بل نتيجة مباشرة لانقطاع الوصول، وهو ما يربك القرار ويؤخر الإغاثة. الجغرافيا السياسية تصنع كارثة داخل الكارثة حين تسد طرق الإسعاف وتربك خطوط الإمداد. فيما يرفع التغير المناخي خط الأساس للخطر بحيث يصير التقصير المؤسسي قاتلا حتى في أوقات السلم. ما فاجأنا هو درجة العجز عن تحويل الدرس المعروف إلى سياسة معروفة.

لذلك، إن كانت الحرب قد جردت الدولة من أدواتها، فالمجتمعات المحلية لا تزال تملك ما هو أثمن: المعرفة المتراكمة بالمنحدرات والوديان ومسارات السيول. حين تدعم هذه المعرفة بأدوات إنذار بسيطة وبهامش صغير من الهدنة الإنسانية، يمكن لدارفور أن تقلص خسائرها وتنتزع من الكارثة فرصة لإعادة التفكير في العمران والعيش على سفوح الجبال.

وفي انتظار أن يتحقق ذلك، تبقى ترسين علامة فارقة: مأساة طبيعية كشفت خللا سياسيا، وتذكيرا بأن إنقاذ الحياة يجب أن يسبق دائما صراع الشرعيات.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق