الإعاقة في المغرب.. أرقام تفضح اختلالات عميقة في السياسات العمومية

ECO1728 مارس 2026
الإعاقة في المغرب.. أرقام تفضح اختلالات عميقة في السياسات العمومية
خديجة مبتسم

تكشف المعطيات الحديثة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط في مارس 2026، استنادا إلى نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى، أن نحو 1,7 مليون مغربي يعيشون في وضعية إعاقة، أي ما يمثل حوالي 4,8 في المائة من مجموع السكان، غير أن هذه الأرقام، رغم أهميتها، لا تعكس فقط حجم الظاهرة، بل تفتح الباب أمام قراءة أعمق لبنيتها المجالية والاجتماعية، وما تخفيه من اختلالات في توزيع الخدمات والسياسات العمومية.

وتبرز أولى المفارقات في التفاوت الواضح بين الوسطين القروي والحضري، حيث تصل نسبة الإعاقة إلى 5,6 في المائة في القرى مقابل 4,2 في المائة في المدن، وهو فارق لا يمكن تفسيره فقط بالعوامل الصحية، بل يرتبط أساسا بمحدودية الولوج إلى العلاج، وضعف التتبع الطبي، وغياب بنية وقائية فعالة، إضافة إلى تأثير الفقر والهشاشة، التي تجعل من الإعاقة في كثير من الأحيان نتيجة لمسار اجتماعي غير متكافئ أكثر منها حالة فردية معزولة.

كما أن تقارب النسب بين النساء (4,8 في المائة) والرجال (4,7 في المائة) يؤكد أن الإعاقة ليست قضية فئة معينة، بل ظاهرة بنيوية تعكس اختلالات أوسع في شروط العيش، غير أن هذا التوازن العددي لا يعني تساويا في التجربة، إذ غالبا ما تواجه النساء في وضعية إعاقة صعوبات مضاعفة مرتبطة بالنوع الاجتماعي، خاصة في ما يتعلق بالولوج إلى التعليم والشغل والخدمات.

وفي ما يتعلق بطبيعة الإعاقات، فإن هيمنة الإعاقات الجسدية، تليها الحسية ثم الذهنية، تطرح إشكالا حقيقيا في مدى ملاءمة الفضاءات العامة والبنيات التحتية، حيث لا يزال الولوج إلى النقل، والإدارات، والمؤسسات التعليمية، يواجه عوائق متعددة، ما يجعل من الإعاقة عاملا مضاعفا للإقصاء بدل أن يكون وضعا يمكن التكيف معه عبر سياسات دامجة.

وتزداد دلالة هذه المعطيات مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في نسب الإعاقة مع التقدم في السن، في سياق ديمغرافي يتسم بتزايد فئة المسنين، وهو ما ينذر بتحول الإعاقة إلى تحد بنيوي متصاعد، سيضع ضغطا متزايدا على منظومة الصحة والحماية الاجتماعية خلال السنوات المقبلة، إذا لم يتم الاستعداد له بسياسات استباقية.

غير أن الرهان الأكبر لا يكمن فقط في تشخيص الأرقام، بل في كيفية ترجمتها إلى سياسات عمومية فعالة، إذ يكشف الواقع أن الانتقال من منطق الرعاية إلى منطق الحقوق لا يزال يسير بوتيرة بطيئة، سواء على مستوى تفعيل القوانين، أو ضمان الولوجيات، أو إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة في سوق الشغل، وهو ما يطرح سؤال النجاعة أكثر من سؤال النوايا.

وتؤكد هذه القراءة أن الإعاقة في المغرب ليست مجرد مسألة صحية أو اجتماعية، بل هي مرآة تعكس عمق الفوارق المجالية، وحدود السياسات العمومية في تحقيق العدالة الاجتماعية، ما يجعل من معالجتها مدخلا أساسيا لإعادة التفكير في نموذج التنمية، على أساس الإنصاف، والكرامة، والحق في الاندماج الكامل داخل المجتمع.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق