الغابات ورهانات المناخ العالمي.. بعد جيو-بيئي جديد (5/8)

ECO1725 أكتوبر 2025
الغابات ورهانات المناخ العالمي.. بعد جيو-بيئي جديد (5/8)
إيمان بنسعيد- باحثة في القانون، التنمية المستدامة والسياسات البيئية

يتناول المحورالخامس من السلسلة صعود المقاربات الجيو-بيئية الجديدة، من خلال دراسة مبادرة الحزام والطريق كنموذج لتقاطع الاقتصاد والبيئة في إطار الدبلوماسية الخضراء.

وسيوضح هذا المحور كيف أعادت الصين تعريف التنمية المستدامة بمنطق “الطريق الأخضر”، وكيف أصبحت المبادرة منصة لبناء توازن عالمي جديد بين التمويل، البيئة، والتعاون جنوب–جنوب، مع استعراض مساهمة المغرب في هذا الإطار ضمن اتفاقياته الثنائية والتزاماته المناخية.

المحور الخامس: مبادرة الحزام والطريق – بعد جيو-بيئي جديد

تجسد مبادرة الحزام والطريق (Belt and Road Initiative – BRI)، التي أطلقتها الصين سنة 2013، تحولا استراتيجيا في العلاقة بين الاقتصاد والبيئة، إذ تجاوزت كونها مشروعا للبنية التحتية نحو منصة جيو-بيئية للتعاون الأخضر. فمن خلال إنشاء التحالف الأخضر للحزام والطريق (Belt and Road Green Development Coalition – BRIGC) سنة 2019، بمشاركة أكثر من أربعين دولة وهيئة أممية، أصبحت المبادرة تعبر عن مقاربة جديدة لما يعرف بـ البيئية الجيوسياسية (Geo-environmentalism)، التي توظف الحماية البيئية كأداة للسياسة التنموية والتوازن المناخي العالمي [17].

تركز المبادرة على دمج المعايير البيئية في كل مراحل التمويل والاستثمار، وتطوير مشاريع التشجير واستعادة الغابات المتدهورة في الدول النامية، ضمن ما تسميه الصين الطريق الأخضر. وفي هذا الإطار، أصدرت اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح الصينية ووزارة البيئة الإيكولوجية سنة 2021 وثيقة إرشادات تعزيز التنمية الخضراء للحزام والطريق التي حددت ثلاثة مبادئ أساسية:

  1. دمج البيئة في جميع مراحل التخطيط والتمويل،
  2. الحد من البصمة الكربونية للبنية التحتية،
  3. وتشجيع التعاون جنوب–جنوب في مجالات التكنولوجيا الخضراء [18].

وقد برزت منطقة ميكونغ الكبرى (كمبوديا، لاوس، ميانمار، تايلاند، فيتنام) كأحد أبرز المجالات التجريبية لهذه الرؤية. فمنذ 2020، نفذ أكثر من 30 مشروعا لإعادة تأهيل الغابات المتدهورة بالتعاون مع بنوك التنمية الآسيوية والإفريقية، ركزت على تشجير الأحواض المائية، ومراقبة الفيضانات، وتنظيم الزراعة المستدامة. وتشير تقارير Belt and Road Green Development Coalition إلى أن هذه المشاريع ساهمت في تقليص معدلات إزالة الغابات بنسبة تتراوح بين 5 و10% في بعض المناطق بين 2020 و2024 [19].

ولا يمثل الحزام والطريق المبادرة الوحيدة ذات البعد الجيو-بيئي، إذ توازيها مبادرات أخرى تسعى إلى تحقيق الأهداف ذاتها بمناهج مختلفة، أهمها:

  • مبادرة الحزام الأخضر الإفريقي العظيم، التي أطلقها الاتحاد الإفريقي واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر سنة 2007، وتهدف إلى استعادة أكثر من 100 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة في الساحل الإفريقي بحلول 2030 وتوفير 10 ملايين فرصة عمل خضراء.
  • مبادرة استعادة المناظر الغابوية الإفريقية التي أطلقت سنة 2015 بدعم من البنك الدولي والمعهد العالمي للموارد، وتستهدف استعادة 100 مليون هكتار من النظم الغابوية المتدهورة في القارة الإفريقية بحلول 2030.
  • الشراكة الأوروبية-الآسيوية للغابات، التي تأسست ضمن إطار المنتدى الدولي للغابات سنة 2006، وتعمل على تبادل الخبرات بشأن إدارة الغابات المستدامة وسلاسل القيمة الخضراء بين الاتحاد الأوروبي وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا [20].

تبرز هذه النماذج أن التعاون البيئي العابر للحدود لم يعد محصورا في الأطر الأممية التقليدية، بل أصبح جزءا من الدبلوماسية التنموية الجديدة التي تستبدل التقنين بالتمويل، والالتزام القانوني بالشراكة الميدانية. وتجسد هذه الرؤية نقلة نوعية من “الالتزامات القانونية” إلى “التزامات التنمية المشتركة”، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي المتزايد بتجربة الحزام والطريق كآلية تنفيذية للحكامة المناخية.

أما على المستوى العربي والإفريقي، فقد أصبح المغرب فاعلا منسجما مع فلسفة هذه المبادرات رغم عدم انخراطه المؤسسي الكامل فيها. فالمملكة وقعت سنة 2017 على مذكرة تفاهم مع الصين بشأن مبادرة الحزام والطريق، وفعلت سنة 2021 اتفاقية تعاون بيئي بين وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة المغربية ووزارة البيئة الإيكولوجية الصينية، تركز على التشجير الحضري، ومراقبة الانبعاثات، وتبادل الخبرات في إدارة الغابات. كما يشارك المغرب في المبادرة الإفريقية للطاقة المتجددة والمبادرة الإفريقية للتكيف المناخي، وهما مبادرتان تتقاطعان في أهدافهما مع مقاربة الحزام والطريق من حيث الربط بين الغابات والتنمية والتمويل الأخضر [21].

وفي هذا السياق، كشفت معطيات صينية حديثة عن نمو غير مسبوق في الالتزامات الاستثمارية الصينية بالمغرب في إطار مبادرة الحزام والطريق خلال سنة 2024، حيث بلغت الزيادة نحو 724% مقارنة بعام 2023، ما جعل المملكة ضمن أعلى خمس دول إفريقية من حيث معدل نمو الاستثمارات في هذا الإطار، إلى جانب غينيا وليبيريا وجمهورية الكونغو والعراق. ووفق تقرير “استثمارات مبادرة الحزام والطريق 2024” الصادر عن مركز التمويل الأخضر والتنمية الصيني التابع لجامعة فودان، فإن إجمالي التزامات الصين في المبادرة منذ انطلاقها سنة 2013 بلغ 1.175 تريليون دولار أمريكي، بينها 70.7 مليار دولار في عقود البناء و51 مليار دولار في الاستثمارات خلال 2024 وحده.

تشكل هذه التجارب المتعددة (الصينية، الإفريقية، الأوروبية، والمغربية) ملامح نظام بيئي عالمي متعدد الأقطاب، تصبح فيه الغابات مجالا للتعاون بدل التنافس، وأداة لبناء العدالة البيئية العابرة للحدود. إنها خطوة نحو ترسيخ مفهوم “الدبلوماسية الخضراء” التي تجعل من حماية الغابات مشروعا إنسانيا مشتركا يتجاوز حدود القانون إلى فضاء السياسات البيئية العالمية

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق