لماذا يتم تفريغ السدود رغم الحاجة إلى الماء؟

ECO172 فبراير 2026
تفريغ السدود

يطرح تفريغ السدود، كلما تكرر في فترات تتسم بندرة المياه، أسئلة مشروعة لدى المواطنين حول جدوى هذا الإجراء وحدوده. غير أن قراءة تقنية مبسطة تكشف أن ما يبدو هدرا للماء هو في الواقع جزء من تدبير معقد يوازن بين السلامة وحكامة الموارد.

منطق السلامة كأولوية مطلقة
تفتح بوابات السدود عندما يصل منسوب المياه إلى مستويات قد تشكل ضغطا خطيرا على جسم السد. هذا الإجراء يندرج ضمن قواعد السلامة المعتمدة دوليا، والتي تعتبر أن الحفاظ على سلامة المنشأة وحماية الأرواح والممتلكات يسبق أي اعتبار آخر، فالسد الذي يتعرض لإجهاد مفرط قد يتحول من بنية للحماية إلى مصدر خطر داهم.

التفريغ للتحكم في مخاطر الفيضانات
يتم تفريغ كميات محسوبة من المياه قصد تنظيم الجريان نحو أسفل السد، خاصة عند توقع تساقطات قوية أو مركزة في وقت قصير. هذا التدبير الإستباقي يحد من الفيضانات المفاجئة التي قد تغمر المناطق السكنية والضيعات الفلاحية والبنيات التحتية، خصوصا في سياق مناخي يتسم بتزايد الظواهر القصوى.

خفض المنسوب على القدرة الاستيعابية للسدود
عندما يفقد السد الممتلئ بالكامل مرونته في استقبال واردات مائية جديدة،  يصبح التفريغ وسيلة لضمان وجود هامش أمان يسمح بتخزين مياه لاحقة بدل ضياعها بشكل غير متحكم فيه. هذا المنطق هو ما تعتمد عليه سياسات التدبير الدينامي للحقينة في عدد من الدول.

التفريغ لتحسين جودة المياه
تؤدي فترات الركود الطويلة داخل السدود إلى تراجع جودة المياه، سواء بسبب انخفاض الأكسجين أو تكاثر الطحالب. ويساعد التجديد الجزئي للمياه على الحفاظ على خصائصها الفيزيائية والكيميائية، ما ينعكس إيجابا على استعمالها في الشرب والسقي.

التفريغ يفيد أغراضا اقتصادية وبيئية 
لا تختفي المياه المفرغة، بل تتجه نحو الأودية، وتغذي الفرشات الجوفية، وتستفيد منها الفلاحة الواقعة أسفل السدود، كما تستعمل في بعض الحالات لإنتاج الطاقة الكهرومائية. بهذا المعنى، يندرج التفريغ ضمن دورة مائية أوسع، وليس كعملية معزولة.

يغذي غياب الشرح العمومي المنتظم قراءات تبسيطية تختزل التفريغ في صورة تبذير، بينما هو في الواقع قرار تقني محكوم بمعادلة دقيقة بين المخاطر والحاجيات. ومع تزايد الضغط على الموارد المائية، يصبح الرهان الحقيقي هو تعزيز الشفافية وتبسيط المعلومة، حتى يتحول النقاش من التشكيك إلى الفهم والمساءلة الواعية.

لا يعكس تفريغ السدود فشلا في التدبير، بل يكشف تعقيد إدارة الماء في زمن تغير مناخي متسارع، حيث لم يعد التخزين وحده كافيا، بل بات التكيف والوقاية عنصرين حاسمين في حماية الإنسان والمورد معا.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق