لماذا لا يجذب الإعلام البيئي الجمهور؟

ECO175 أبريل 2026
لماذا لا يجذب الإعلام البيئي الجمهور؟

`”ضعف الإقبال على المحتوى البيئي مقارنة بالمواضيع الجدلية يدفع العديد من المنابر إلى مراجعة خطها التحريري… أو الانسحاب.”`

في زمن أصبحت فيه المعلومة تقاس بسرعة انتشارها لا بعمقها، يطرح الإعلام البيئي إشكالا حقيقيا يتعلق بقدرته على الوصول إلى الجمهور والتأثير فيه. فبالرغم من تصاعد التحذيرات العلمية بشأن التغيرات المناخية وتدهور النظم البيئية، لا تزال هذه القضايا تحتل موقعا هامشيا ضمن أولويات الاهتمام العام، خاصة في فضاءات رقمية تحكمها منطقية السرعة والإثارة.
إن إشكالية الإعلام البيئي لا تقتصر على سياق بعينه، بل تندرج ضمن تحول عالمي يعرف تفاوتا واضحا بين الدول في طريقة تمثلها للقضايا البيئية وتدبيرها إعلاميا. ففي حين جعلت بعض الدول من البيئة ركيزة أساسية ضمن سياساتها العمومية، واعتبرتها مدخلا لتحقيق التنمية المستدامة وضمان استمرارية الموارد، لا تزال دول أخرى تنظر إلى الالتزامات البيئية باعتبارها عائقا أمام تحقيق مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
ويبرز هذا التباين بشكل جلي في مواقف القوى الكبرى، حيث تتداخل الاعتبارات البيئية مع الحسابات السياسية والاقتصادية. فقد شهدت الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، خلال فترة رئاسة دونالد ترامب، توجها قائما على تقليص الالتزامات البيئية بدعوى تأثيرها على النمو الاقتصادي، وهو ما انعكس بدوره على طبيعة الخطاب الإعلامي البيئي وحدود انتشاره.
وفي مقابل ذلك، تعاني دول أخرى، خاصة في سياقات نامية، من ضعف إدماج القضايا البيئية ضمن أولوياتها، ليس دائما نتيجة رفضها، بل أحيانا بفعل إكراهات اقتصادية واجتماعية تجعل الاهتمام بالبيئة مؤجلا أمام تحديات أكثر إلحاحا. وهو ما ينعكس بدوره على محدودية حضور الإعلام البيئي، سواء من حيث الموارد أو من حيث موقعه ضمن الأجندة الإعلامية.
وفي سياق هذا التحول العام، لم يعد المحتوى الإعلامي يستهلك لقيمته المعرفية فقط، بل لقدرته على جذب الانتباه الفوري، وهو ما يجعل القضايا البيئية، بحكم طبيعتها المركبة وامتداد آثارها على المدى البعيد، أقل قابلية للاندماج في منطق “البوز”. وقد نبه *مارشال ماكلوهان* إلى أن ” _الوسيلة هي الرسالة_ “، في تأكيد على أن طريقة تقديم المعلومة تؤثر بشكل حاسم في تلقيها، وهو ما يفسر جزئيا محدودية تأثير الإعلام البيئي مقارنة بغيره من المضامين.
وإذا كان هذا التحول يطبع المشهد الإعلامي على المستوى العالمي، فإنه يطرح، في السياقات الوطنية، إشكالات إضافية تتعلق بمدى قدرة الإعلام على مواكبة التحولات القانونية والمؤسساتية المرتبطة بالبيئة. ففي المغرب، كما في عدد من الدول، تم الارتقاء بحماية البيئة إلى مستوى دستوري، حيث نصّ دستور المملكة المغربية 2011 على الحق في بيئة سليمة والتنمية المستدامة. غير أن هذا التطور القانوني لا يجد دائما امتداده في الخطاب الإعلامي، مما يكشف عن فجوة بين الاعتراف المعياري والتمثل المجتمعي.
ولعل المفارقة الأبرز تكمن في أن القضايا البيئية، رغم اتصالها المباشر بصحة الإنسان وجودة حياته، لا تقدَّم غالبا بهذا القرب، بل في قالب تقريري يفتقر إلى الجاذبية والقدرة على التأثير. وهنا يحضر البعد الفلسفي للعلاقة بين الإنسان وبيئته، كما عبر عنه أبو العلاء المعري بقوله:
” _خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد_ ”
انطلاقا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى تحليل أسباب ضعف جاذبية الإعلام البيئي، من خلال تفكيك طبيعة الخطاب المعتمد، واستكشاف تأثير منطق “البوز” على ترتيب الأولويات الإعلامية، مع استحضار التفاوتات العالمية والخصوصيات الوطنية التي تؤطر هذا الإشكال.
لا يعود ضعف جاذبية الإعلام البيئي إلى محدودية أهمية القضايا التي يتناولها، بل إلى تداخل معقد بين طبيعة الخطاب، ومنطق الإعلام، وخصوصية المتلقي، فضلا عن السياقات السياسية والاقتصادية المؤطرة له.
فمن جهة أولى، يظل الخطاب البيئي في كثير من الأحيان أسير لغة تقنية دقيقة، تستند إلى تقارير علمية ومؤشرات رقمية، كما هو الحال في تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، التي تعد مرجعا أساسيا للخبراء، لكنها تظل بعيدة عن الفهم العام إذا لم تترجم إعلاميا بشكل مبسط. وهنا لا تكمن المشكلة في تعقيد القضايا، بل في ضعف تحويلها إلى خطاب قريب من الحياة اليومية، يجعل الفرد يشعر بأن البيئة ليست موضوعا عاما، بل واقعا يعيشه.
*بين خطاب لا يفهم… وجمهور لا يتفاعل*
في المقابل، يفرض الإعلام الرقمي منطقا مختلفا، يقوم على سرعة الانتشار والإثارة، حيث يعاد ترتيب الأولويات بناء على ما يجذب الانتباه، لا على ما يراكم الوعي. وقد بينت دراسات معهد رويترز لدراسة الصحافة أن المحتويات المرتبطة بالصراع أو الجدل تحظى بانتشار أكبر من المحتوى التوعوي، وهو ما يجعل القضايا البيئية(بطبيعتها البطيئة والتراكمية)، خارج دائرة التنافس الإعلامي.
غير أن الإشكال لا يرتبط بالإعلام وحده، بل يمتد إلى طبيعة المتلقي نفسه، خاصة في عدد من الدول النامية، حيث تظل الثقافة البيئية محدودة، وتتقاطع مع نسب من الأمية وضعف الوعي. وفي مثل هذه السياقات، لا يكون التحدي في إيصال المعلومة فقط، بل في وجود استعداد لتلقيها أصلا. فحتى مع تبسيط الخطاب، قد يصطدم الإعلام بسلوكيات راسخة، تجعل من الصعب إحداث تغيير فعلي، كما في ممارسات يومية مثل رمي النفايات في الفضاءات الطبيعية، والتي لا ترفض لضعف الخطاب، بل لأنها جزء من منظومة سلوكية قائمة.
*حين لا يشعر الفرد بأن القضية تعنيه*
ويزداد هذا النفور حين تقدم القضايا البيئية في صيغ مجردة، دون ربطها بالتجربة اليومية للمتلقي. فالتغير المناخي، على سبيل المثال، يطرح كظاهرة كونية، بينما يظل أثره غير محسوس في وعي الأفراد. في حين تظهر تجارب ميدانية، خاصة في المغرب، أن ربط التلوث بأمراض الجهاز التنفسي لدى الأطفال، أو ربط استهلاك الماء بالفاتورة الشهرية، يحدث تفاعلا أكبر، لأنه ينقل القضية من مستوى التجريد إلى مستوى المعايشة.
ومن جهة أخرى، يظل التطور القانوني البيئي محدود الأثر في غياب وساطة إعلامية فعالة. فرغم أن دستور المملكة المغربية 2011 كرس الحق في بيئة سليمة، فإن هذا الحق لا يتحول إلى وعي مجتمعي ما لم يقدم في صيغة مبسطة ومستمرة.
*ضعف التمويل من المؤسسات العامة والخاصة*
إلى جانب ذلك، يعاني الإعلام البيئي من هشاشة بنيوية واضحة، تتمثل في ضعف الدعم من المؤسسات العامة والخاصة، وغياب شراكات حقيقية مع الإعلام العام. فالجرائد والمنصات المتخصصة غالبا ما تعمل في عزلة، وتجد نفسها أمام خيارين، إما التحول نحو محتوى عام ينسجم مع ما هو رائج، أو الانسحاب تحت ضغط ضعف الموارد.
كما أن حتى الفاعلين الاقتصاديين في المجال البيئي يتجهون نحو الإعلام العام الأكثر انتشارا، مما يزيد من تهميش الإعلام المتخصص. ويؤدي هذا الوضع إلى غياب التلاحم داخل الحقل البيئي الإعلامي، حيث تتشتت الجهود بدل أن تتكامل.
*حين يصبح الاستمرار خسارة*
في ظل هيمنة منطق الإثارة والفضائح، يصبح من الصعب اعتبار الصحافة البيئية مشروعا مستداما. فالمحتوى البيئي لا يحقق نسب المشاهدة نفسها التي تحققها المواضيع الجدلية، مما يدفع العديد من المنابر إلى تغيير خطها التحريري أو التوقف نهائيا.
وهنا تبرز مفارقة واضحة؛ إما أن يفقد الإعلام البيئي هويته ليواكب ما هو رائج،
أو يحافظ عليها… ويخرج من الساحة.
وعلى المستوى العالمي، يتوزع هذا الضعف بين سياقين دول لا تعطي البيئة أولوية لأسباب سياسية واقتصادية، كما تجلى في سياسات دونالد ترامب في الولايات المتحدة الأمريكية، ودول أخرى لا تمتلك الإمكانيات الكافية لإدماجها ضمن أولوياتها.
غير أن الإشكال الأعمق يرتبط بطبيعة القضايا البيئية نفسها، التي لا تنتمي إلى منطق الحدث الفوري. فبينما تخلق الكوارث الطبيعية(كالزلازل والفيضانات)، تفاعلا سريعا، تظل قضايا مثل التغير المناخي، وارتفاع درجات الحرارة، وانقراض الأنواع قضايا بطيئة الأثر، تمضي في صمت، دون أن تثير الجدل نفسه.
وقد شهدت هذه المواضيع موجات اهتمام مؤقتة، كما حدث مع ثقب الأوزون، لكنها سرعان ما تتراجع، لأن الخطر لا يدرك في لحظته. كما أن المعطيات العلمية، رغم دقتها، تبقى في كثير من الأحيان حبيسة الأوساط المتخصصة، ولا تتحول إلى وعي جماهيري.
وهكذا، يجد الإعلام البيئي نفسه أمام معادلة معقدة؛ قضايا عميقة وبطيئة، إعلام سريع الإيقاع، وجمهور يتفاعل مع ما يلمسه في الحاضر أكثر مما يهدده في المستقبل.
وفي هذا السياق، لا يكون التحدي فقط في شرح القضايا البيئية، بل في خلق الإحساس بها قبل أن تتحول إلى أزمات ملموسة.
إن أزمة الإعلام البيئي ليست أزمة خطاب فقط، بل هي نتيجة تفاعل معقد بين ضعف التبسيط، ومحدودية التلقي، وهشاشة البنية الإعلامية، وطبيعة القضايا نفسها. وبين إعلام يبحث عن الانتشار، وجمهور يبحث عن الإثارة، وقضايا تحتاج إلى وعي تراكمي، يبقى الإعلام البيئي في موقع هش، يتطلب إعادة تفكير عميقة تتجاوز الشكل إلى الجوهر.
وفي الأخير، لا يمكن اختزال أزمة الإعلام البيئي في ضعف الخطاب أو فتور اهتمام الجمهور، بل هي نتيجة اختلال أعمق يمس العلاقة بين المعرفة والسلوك، وبين الإعلام والواقع. ومن ثم، فإن تجاوز هذا الوضع لا يتحقق فقط عبر تحسين طريقة العرض، بل يقتضي إعادة التفكير في موقع البيئة داخل المنظومة المجتمعية ككل.
فالإعلام البيئي اليوم مدعو إلى تجاوز الطابع التقريري، نحو بناء خطاب أكثر قربا من التجربة اليومية، قادر على تحويل القضايا البيئية من معطيات مجردة إلى إحساس معيش. كما أن المؤسسات العمومية والخاصة مطالبة بدعم هذا المجال، ليس باعتباره نشاطا هامشيا، بل كاستثمار في الوعي الجماعي.
وفي المقابل، يظل الرهان الأكبر رهينا ببناء ثقافة بيئية حقيقية، تتجاوز التلقي إلى الممارسة، وتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ومحيطه، ليس فقط على أساس المنفعة، بل على أساس المسؤولية.
غير أن السؤال الذي يظل مطروحا: هل يكفي تطوير الخطاب الإعلامي لإحداث التغيير؟
أم أن الأزمة أعمق من ذلك، وتمتد إلى بنية الوعي المجتمعي ذاته؟
وهل يمكن للإعلام البيئي أن ينجح في بيئة إعلامية لا تعترف إلا بما يثير الانتباه؟
أم أن التحدي الحقيقي يكمن في تغيير قواعد اللعبة نفسها؟

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق