في الحقول الجافة المحيطة بآسفي، لا تقاوم نبتة الكبّار قسوة المناخ وحدها؛ فخلف كل حبة صغيرة تجنى يدويا، تقف نساء قرويات يحملن بصبرهن جزءا من قصة المغرب مع الجفاف، والتصدير، والتنمية …
في هذه الأيام، ومع دخول موسم جني الكبّار الذي يبدأ عادة من شهر ماي ويمتد إلى غشت، تبدو الحقول المحيطة بآسفي كأنها لا تعد بالكثير. أرض قاسية، شمس تسبق العاملات إلى الحقول، ونباتات منخفضة وشوكية لا تمنح نفسها بسهولة للنظر العابر. لكن بين هذه الشجيرات الصغيرة تنمو واحدة من أكثر الحكايات الزراعية دلالة على مغرب يتعلم كيف يعيش مع ندرة الماء، لا كيف ينتظر المطر فقط.
إنها نبتة الكبّار، أو القبّار، نبات يعرفه العالم أكثر مما يعرفه كثير من المغاربة. حباته الصغيرة تعبر من الحقول الجافة إلى وحدات التصبير، ثم إلى موائد خارجية، خاصة في الأسواق المتوسطية. غير أن هذه الرحلة الطويلة تبدأ من حركة بسيطة ومتعبة: يد امرأة تنحني، تبحث بين الأشواك، وتقطف الحبة في وقتها المناسب، قبل أن تكبر أو تتفتح.
ولا يعطي هذا النبات محصوله دفعة واحدة، بل يطلق براعمه الزهرية على مراحل، لذلك تعود النساء إلى الشجيرات نفسها مرارا. هكذا يصبح الجني عملا طويلا ودقيقا، لا تحدده وفرة النبات وحدها، بل توقيت الحبة وحجمها، لأن الحجم في عالم الكبار ليس تفصيلا صغيرا، بل عنصر يحدد الجودة والسعر والقيمة.
لا يحتاج الكبّار إلى وفرة الماء كي يثبت وجوده. فهو نبات متكيف مع المناطق الجافة وشبه الجافة، وتصفه دراسات علمية بكونه من النباتات المقاومة للجفاف، القادرة على النمو والإزهار صيفا في بيئات قاسية. لذلك، لا يبدو غريبا أن يتحول هذا النبات إلى محصول ذي أهمية خاصة في زمن تتراجع فيه التساقطات ويزداد فيه الضغط على الموارد المائية. فقد وصفته دراسة علمية منشورة في Frontiers in Plant Science بأنه نوع متأقلم مع المناخ الجاف وشبه الجاف، ومعروف بقدرته العالية على تحمل الجفاف.
لكن قوة النبات لا تكتمل إلا حين نرى القوة الصامتة التي ترافقه: قوة النساء اللواتي يحملن الجزء الأثقل من السلسلة.
في آسفي، لا يبدو الكبّار مجرد محصول فلاحي. إنه مرآة لصمود مزدوج: صمود نبات أمام الجفاف، وصمود نساء أمام عمل يدوي شاق ومحدود المردودية. فالجني يتم حبة حبة، غالبا في ساعات طويلة وتحت شمس قاسية، لأن الآلة لا تستطيع أن تعوض العين التي تميز الحجم، ولا الأصابع التي تعرف متى تلتقط الحبة في وقتها المناسب. وكلما صغرت الحبة زادت قيمتها، وكلما تأخر الجني تغير موقعها في السوق.
تقول الأرقام إن المغرب يحتل مكانة بارزة في هذه السلسلة. فعلى المستوى الوطني، تمتد زراعة الكبّار على حوالي 31 ألف هكتار، بإنتاج سنوي يقارب 24 ألف طن حسب معطيات منشورة بمناسبة الدورة السابعة للمعرض الوطني للكبار بآسفي سنة 2025. أما آسفي، فتظهر كأحد أهم أقطاب هذا المنتوج، بحكم تراكم التجربة المحلية وارتباط عدد من القرى بهذه الزراعة.
وتقدم معطيات أخرى آسفي باعتبارها أول منطقة إنتاج وطنية، إذ تساهم بحوالي 46% من الإنتاج الوطني، رغم أنها لا تمثل سوى حوالي 25% من المساحات المزروعة، أي نحو 7500 هكتار من أصل 31 ألف هكتار. وهذا الرقم لا يبرز فقط وزن آسفي، بل يكشف أيضا مردودية مجال استطاع أن يحول نباتا مقاوما للجفاف إلى مورد اقتصادي ذي قيمة.
غير أن الرقم الأكثر إنسانية لا يتعلق بالهكتارات والأطنان وحدها، فهذه السلسلة لا تقوم على الأرض فقط، بل على العمل. وتشير المعطيات المنشورة حول القطاع إلى أن زراعة الكبار توفر ملايين أيام العمل سنويا على المستوى الوطني، وتولد في آسفي وحدها حوالي 1.5 مليون يوم عمل. كما تحضر النساء بقوة في حلقات الجني والمعالجة، حتى صارت صورة المرأة المنحنية فوق الشجيرة جزءا من ذاكرة هذا المنتوج.
هنا تظهر المفارقة كلها: منتوج مقاوم للجفاف، لكنه يقوم في بدايته على عمل نسائي هش؛ حبة صغيرة تكتسب قيمتها كلما تقدمت في سلسلة التصبير والتصدير، لكنها تبدأ من جهد يدوي لا ينال دائما الاعتراف الكافي. فالمرأة التي تجني الكبار لا تجمع حبات خضراء فقط، بل تمنح السلسلة شكلها الأول، وتفتح الطريق أمام قيمة اقتصادية ستتضاعف لاحقا خارج الحقل.
ولا يمكن فهم هذه المفارقة دون الاقتراب من طبيعة الجني. فالكبّار لا يقطف دفعة واحدة، ولا يجمع مثل بعض المحاصيل الواسعة. إنه يحتاج إلى مرور متكرر، وإلى عين مدربة على تمييز الحبات الصغيرة، وإلى يد تتحمل الأشواك والانحناء والحرارة. لذلك، تبدو مردودية العمل محدودة قياسا إلى الجهد البدني المبذول والقيمة التي يكتسبها المنتوج لاحقا في مراحل التصبير والتسويق. وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد نشاط موسمي، بل بسؤال أوسع حول موقع النساء القرويات داخل سلاسل الإنتاج المحلية: هل يبقين في الحلقة الأولى والأضعف، أم يتحولن إلى فاعلات في التثمين والتنظيم والتسويق؟
على المستوى الدولي، تكشف بيانات التجارة أن الكبّار المغربي يتجه إلى أسواق خارجية مهمة، وفي مقدمتها أسواق متوسطية مثل إسبانيا وإيطاليا، مع حضور وجهات أخرى حسب سنوات التصدير ونوع المنتوج. وتعرض بيانات مرصد التعقيد الاقتصادي، الخاصة بالكبّار المحفوظ مؤقتا، أن صادرات المغرب توجهت أساسا إلى إسبانيا وإيطاليا وفنزويلا ضمن البيانات المتاحة.
وتزداد المفارقة وضوحا حين نلاحظ أن الكبار المغربي معروف في الخارج أكثر من حضوره في المائدة المغربية اليومية. فهو منتوج ترابي ناجح في التصدير، لكنه لا يزال محدود الانتشار محليا. وهذا الضعف لا يرتبط بالذوق فقط، بل كذلك بطريقة التعريف بالمنتوج، والتعبئة، والتسويق، وإدماجه في المطبخ المغربي والسياحة الترابية. فالمنتوج الذي يحمل اسم آسفي ينبغي ألا يكون معروفا لدى المستوردين وحدهم، بل لدى المغاربة أيضا.
ولا تقف قيمة الكبّار عند بعده الفلاحي والتجاري. فالدراسات الحديثة حول الكبّار. تشير إلى احتوائه على مركبات نباتية ذات خصائص مضادة للأكسدة والالتهاب، كما تذكر استعمالاته التقليدية في عدد من مناطق المتوسط. غير أن هذه المعطيات يجب تقديمها بحذر؛ فالكبار ليس علاجا قائما بذاته، بل غذاء طبيعي يمكن أن يدخل ضمن نظام غذائي متوازن، مع الانتباه إلى أن المنتوج المسوق غالبا ما يحفظ في الملح أو الخل، الأمر الذي يجعل الاعتدال في استهلاكه ضروريا.
بهذا المعنى، يحمل الكبّار قيمة متعددة: قيمة فلاحية لأنه يتحمل الجفاف، وقيمة غذائية لأنه يدخل في مطابخ عالمية، وقيمة اقتصادية لأنه يصدر، وقيمة اجتماعية لأنه يوفر عملا لنساء كثيرات. لكن هذه القيم كلها لن تكتمل ما لم تتحول إلى إنصاف داخل المجال الذي ينتجها. فالنجاح الحقيقي لا يقاس فقط بما يغادر الحقول نحو المعامل والموانئ، بل بما يعود إلى النساء والأسر والقرى التي تبدأ منها الرحلة.
وتبدو استراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030 حاضرة في هذا التحول، من خلال دعم الزراعات المتكيفة مع التغيرات المناخية وسلاسل الإنتاج المجالية. وقد أبرزت معطيات مهنية أن مشاريع فلاحية تضامنية شملت زراعات مقاومة، من بينها الكبّار، إلى جانب الصبار والخروب، في إطار توجه يروم تقوية قدرة الفلاحة المحلية على مواجهة الجفاف.
غير أن الرهان لا يتمثل في توسيع المساحات فقط. فالمساحة وحدها لا تكفي إذا بقيت القيمة المضافة بعيدة عن المنتجين والعاملات. لذلك، يحتاج الكبّار في آسفي إلى انتقال أعمق: من محصول يصدر خاما أو شبه خام، إلى علامة ترابية ذات تثمين محلي؛ ومن عمل نسائي موسمي محدود العائد، إلى حضور تعاوني أقوى؛ ومن حبة صغيرة تجمع في صمت، إلى منتوج يحمل قصة النساء والمجال والمناخ.
في آسفي، لا تنقص القصة عناصر القوة: نبات متأقلم مع الجفاف، مجال معروف بالمنتوج، خبرة محلية متراكمة، طلب خارجي، وعمل نسائي واسع. لكن هذه العناصر تحتاج إلى خيط ناظم يحولها من سلسلة إنتاج إلى مشروع تنمية ترابية. فليس المطلوب أن نحتفي بالكبّار لأنه يصدر إلى الخارج فقط، بل لأنه قادر على أن يفتح سؤالا أعمق: كيف يمكن للمنتجات المحلية أن تصبح مدخلا لإنصاف الإنسان والمجال معا؟
في النهاية، تنبت حبة الكبّار بين الحجر والشمس، لكنها لا تكبر وحدها. تكبر بيد امرأة تنحني في الحقل، وبأسرة تنتظر الموسم، وبأرض تعلمت أن تمنح رغم قلة الماء. لذلك، ربما لا ينبغي أن نكتب عن الكبّار بوصفه نباتا يقاوم الجفاف فحسب، بل بوصفه شاهدا على صمود النساء أيضا. ففي آسفي، تصمد الشجيرة لأنها تعرف كيف تعيش في القسوة، وتصمد النساء لأنهن تعلمن كيف يحولن القسوة إلى عمل، والعمل إلى أمل، والأمل إلى حبة صغيرة تسافر أبعد من حدود الحقل.






















عذراً التعليقات مغلقة