الفاو: أسعار الغذاء العالمية ترتفع إلى أعلى مستوى منذ أكثر من 3 سنوات

ECO1711 مايو 2026

الفاو: أسعار الغذاء العالمية ترتفع إلى أعلى مستوى منذ أكثر من 3 سنوات

لم تعد أسعار الغذاء العالمية تتحرك فقط وفق منطق المواسم الزراعية وحجم المحاصيل، بل أصبحت أكثر ارتباطا بتقلبات الطاقة، وتكاليف النقل، واضطرابات التجارة الدولية. هذا ما أظهره تقرير جديد لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، حين كشف أن مؤشر أسعار الغذاء العالمي واصل ارتفاعه في أبريل 2026، ليبلغ أعلى مستوى له منذ أكثر من ثلاث سنوات، مدفوعا أساسا بصعود أسعار الزيوت النباتية.

فقد أعلنت منظمة الأغذية والزراعة، في بيان صادر يوم 8 ماي 2026، أن مؤشرها لأسعار الغذاء بلغ 130.7 نقطة في أبريل، بزيادة قدرها 1.6% مقارنة بشهر مارس. ويمثل هذا الارتفاع ثالث زيادة شهرية متتالية، كما يجعل المؤشر في أعلى مستوى له منذ فبراير 2023، رغم أنه لا يزال أقل بكثير من الذروة التي بلغها عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا سنة 2022.

ما هو مؤشر الفاو لأسعار الغذاء؟

مؤشر الفاو لأسعار الغذاء هو أداة شهرية تقيس تحركات الأسعار الدولية لسلة من السلع الغذائية الأساسية، تشمل الحبوب، والزيوت النباتية، ومنتجات الألبان، واللحوم، والسكر. لذلك لا يعكس المؤشر بالضرورة أسعار المتاجر في كل بلد بشكل مباشر، لكنه يقدم صورة عامة عن اتجاه الأسواق العالمية، وعن الضغوط التي يمكن أن تنتقل لاحقا إلى المستهلكين، خاصة في الدول المستوردة للغذاء والطاقة.

وبحسب الفاو، فإن الارتفاع المسجل في أبريل لم يكن عاما بنفس الدرجة في كل المواد الغذائية. فالزيوت النباتية كانت المحرك الأبرز، بينما ارتفعت الحبوب واللحوم بدرجات أقل، في حين تراجعت أسعار السكر ومنتجات الألبان.

الزيوت النباتية تقود الارتفاع

أكثر ما لفت الانتباه في تقرير الفاو هو الارتفاع القوي في أسعار الزيوت النباتية. فقد صعد مؤشر الزيوت النباتية بنسبة 5.9% في أبريل، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ يوليوز 2022. وشمل الارتفاع أسعار زيت النخيل، وزيت الصويا، وزيت دوار الشمس، وزيت اللفت.

وتفسر الفاو هذا الصعود بعدة عوامل متداخلة. أولها ارتفاع أسعار النفط الخام، لأن جزءا من الزيوت النباتية يدخل في صناعة الوقود الحيوي، ما يجعل الطلب عليها يرتفع عندما تصبح الطاقة التقليدية أكثر تكلفة أو أكثر اضطرابا. وثانيها السياسات الداعمة للوقود الحيوي في بعض الدول المنتجة، والتي تدفع نحو استعمال أكبر للزيوت النباتية في الطاقة. وثالثها استمرار الضغوط على بعض سلاسل الإنتاج والتصدير، خاصة بالنسبة لزيت النخيل في الأسواق الآسيوية.

هنا تظهر العلاقة غير المباشرة بين أزمة الطاقة وأسعار الغذاء. فعندما ترتفع أسعار النفط، لا يقتصر الأثر على الوقود الذي تستعمله السيارات والشاحنات، بل يمتد إلى تكلفة النقل البحري والبري، وإلى أسعار الأسمدة، وإلى كلفة تشغيل الآلات الزراعية، ثم إلى أسعار المنتجات الغذائية في الأسواق الدولية.

مضيق هرمز.. عندما تتحول الجغرافيا إلى عامل غذائي

تزداد أهمية هذا الارتفاع لأنه جاء في سياق توترات مرتبطة بإيران وبمضيق هرمز، وهو ممر بحري بالغ الحساسية في تجارة الطاقة العالمية. وقد ربطت تقارير إعلامية دولية، استنادا إلى بيانات الفاو، بين صعود أسعار الغذاء في أبريل وبين اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن الحرب وإغلاق المضيق، مع تأثير خاص على الزيوت النباتية بسبب علاقتها بالوقود الحيوي.

لكن من المهم الانتباه إلى أن الفاو لا تختزل ارتفاع أسعار الغذاء في سبب واحد. فالأزمة الجيوسياسية ضاعفت الضغط، لكنها تفاعلت مع عوامل أخرى: الطلب على الوقود الحيوي، تكاليف الإنتاج، حركة التجارة، وتوقعات المحاصيل. لذلك تكون الصياغة الأدق أن اضطرابات الطاقة والنقل ساهمت في تغذية موجة الارتفاع، لا أنها السبب الوحيد لكل الزيادة.

الحبوب ترتفع ولكن بوتيرة أهدأ

في المقابل، سجلت أسعار الحبوب ارتفاعا محدودا مقارنة بالزيوت. فقد أشارت الفاو إلى أن أسواق الحبوب ظلت مدعومة بإمدادات متوفرة نسبيا، رغم استمرار بعض المخاطر. وارتفع مؤشر أسعار الحبوب بنسبة أقل، مع زيادات في بعض الأصناف مثل الأرز، الذي تأثر بارتفاع تكاليف الإنتاج والتسويق في عدد من الدول المصدرة، نتيجة زيادة أسعار النفط ومشتقاته.

وهذا يعني أن السوق العالمية لم تدخل، إلى حدود أبريل 2026، في صدمة غذائية شاملة شبيهة بما حدث سنة 2022، لكنها تواجه ضغوطا متزايدة قد تصبح أكثر حدة إذا استمرت اضطرابات الطاقة أو ارتفعت تكاليف الأسمدة والنقل.

اللحوم ترتفع والسكر يتراجع

لم يقتصر الارتفاع على الزيوت والحبوب. فقد وصل مؤشر أسعار اللحوم إلى مستوى قياسي جديد، بعدما ارتفع بنسبة 1.2% مقارنة بشهر مارس، وبنسبة 6.4% مقارنة بالعام السابق. وربطت الفاو ذلك، من بين عوامل أخرى، بارتفاع أسعار لحوم الأبقار في البرازيل نتيجة محدودية الإمدادات الجاهزة للذبح.

في المقابل، انخفض مؤشر أسعار السكر بنسبة 4.7%، بسبب توقعات وفرة الإمدادات العالمية، وتحسن آفاق الإنتاج في دول آسيوية، إضافة إلى بداية موسم الحصاد الجديد في البرازيل، وهي أكبر منتج للسكر في العالم. كما تراجع مؤشر منتجات الألبان بنسبة 1.1%، مدفوعا بانخفاض أسعار الزبدة والجبن في الأسواق الدولية.

لماذا يهم هذا الخبر الدول المستوردة؟

تكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة بالنسبة للدول التي تعتمد على الاستيراد لتغطية جزء من حاجياتها الغذائية أو الطاقية. فارتفاع أسعار الغذاء في السوق الدولية لا يظهر دائما بشكل فوري في الأسعار المحلية، لكنه يرفع كلفة الاستيراد، ويضغط على الميزان التجاري، وقد يدفع الحكومات إلى زيادة دعم بعض المواد أو مراجعة سياسات التخزين والتزويد.

كما أن الزيوت النباتية تدخل في الاستهلاك اليومي للأسر، وفي الصناعات الغذائية، وفي المطاعم، وفي إنتاج عدد كبير من المواد المصنعة. لذلك فإن ارتفاع أسعارها يمكن أن ينتقل بشكل غير مباشر إلى سلع أخرى، حتى عندما لا يلاحظ المستهلك العلاقة بين سعر النفط وسعر الغذاء.

الأمن الغذائي لم يعد مسألة زراعية فقط

يكشف تقرير الفاو أن الأمن الغذائي لم يعد مرتبطا فقط بتوفر الأمطار أو نجاح المحاصيل. صحيح أن الإنتاج الزراعي يظل أساسيا، لكن الأسعار العالمية أصبحت تتأثر كذلك بالموانئ، والمضائق البحرية، والطاقة، والأسمدة، وسعر صرف العملات، والسياسات التجارية، والطلب الصناعي على المحاصيل الزراعية.

من هذه الزاوية، فإن ارتفاع أسعار الغذاء في أبريل 2026 يوجه رسالة واضحة: كلما زاد ترابط الغذاء بالطاقة والنقل والتجارة الدولية، أصبحت الأسواق أكثر هشاشة أمام الصدمات الجيوسياسية. ولهذا تحتاج الدول، خاصة المستوردة، إلى سياسات أكثر حذرا في التخزين، وتنويع مصادر الاستيراد، ودعم الإنتاج المحلي الممكن، ومراقبة أسعار المواد الأكثر حساسية بالنسبة للأسر.

خلاصة التقرير

ارتفاع مؤشر الفاو لأسعار الغذاء في أبريل 2026 إلى أعلى مستوى منذ أكثر من ثلاث سنوات لا يعني أن العالم دخل أزمة غذائية شاملة، لكنه يؤكد أن الضغوط التضخمية عادت إلى الواجهة. وقد جاءت الزيوت النباتية في مقدمة المواد التي قادت هذا الارتفاع، بسبب تداخل عوامل الطاقة والوقود الحيوي والتجارة الدولية. أما التوترات المرتبطة بإيران ومضيق هرمز، فقد زادت من حدة المخاوف لأنها ذكرت العالم بأن طريق الغذاء إلى المائدة يمر أحيانا من ممرات النفط والغاز والسفن، لا من الحقول وحدها.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق