الغابات ورهانات المناخ العالمي.. نحو ميثاق عالمي(7/8)

ECO171 نوفمبر 2025
الغابات ورهانات المناخ العالمي.. نحو ميثاق عالمي(7/8)
إيمان بنسعيد- باحثة في القانون، التنمية المستدامة والسياسات البيئية

يختتم المحور السابع من السلسلة هذه، الرحلة التحليلية باقتراح رؤية مستقبلية نحو ميثاق عالمي للغابات، يعيد صياغة العلاقة بين البيئة والتنمية والسيادة، ويؤسس لآلية أممية دائمة للحكامة الغابوية.

كما يبرز كيف يمكن تحويل الغابات من موضوع حماية إلى فاعل قانوني كوني، ومن فراغ مؤسساتي إلى إطار دولي موحد للعدالة المناخية.

المحور السابع: خاتمة السلسلة” نحو ميثاق عالمي للغابات”

يظهر المسار التاريخي لتطور النظام الدولي للغابات، من قمة ريو سنة 1992 إلى اتفاق باريس 2015 وما تلاهما من مبادرات كـالحزام والطريق، أن الغابة لم تعد مجرد كيان طبيعي خاضع للسيادة الوطنية، بل أصبحت فاعلا قانونيا ومؤسسيا في منظومة الحكامة المناخية العالمية. لقد انتقلت من “موضوع حماية” إلى “أداة توازن كوني”، ومن إطار بيئي محدود إلى ركيزة سياسية واقتصادية في معادلة العدالة المناخية.

إن فشل المجتمع الدولي في إبرام اتفاقية ملزمة للغابات لم يكن مجرد إخفاق تفاوضي، بل تجل لتناقضات بنيوية في النظام البيئي العالمي بين الشمال والجنوب، بين من يمتلك التكنولوجيا ومن يملك الثروة الطبيعية. غير أن هذا التعثر أفضى إلى دينامية تكاملية جديدة جعلت الغابات تتوزع داخل اتفاقيات المناخ والتنوع البيولوجي والتمويل الأخضر، فتغدو نقطة التقاء بين الأطر القانونية والاقتصادية والاجتماعية بدل أن تبقى ضحية لتشتتها.

وقد أثبتت التجارب المقارنة، أن نجاح السياسات الغابوية لا يتوقف على كثافة النصوص أو التمويلات، بل على جودة الحكامة البيئية وقدرة الدولة على المواءمة بين مقتضيات السيادة الوطنية والالتزامات المناخية. فحماية الغابات لا تتحقق بسن القوانين فحسب، بل بتفعيلها من خلال:

  • مؤسسات قادرة على التنسيق الأفقي بين القطاعات،
  • ومجتمعات محلية شريكة في القرار،
  • ونظم معلومات غابوية منفتحة على المراقبة والمساءلة.

كما تكشف التجربة المغربية، برغم ما أحرزته من تقدم في التخطيط الاستراتيجي، أن التحول الحقيقي نحو عدالة غابوية يمر عبر تجاوز التحديات التشريعية والمؤسساتية التي تقيد نجاعة التنفيذ، خاصة ضعف الكفاءات التقنية، وتعدد مراكز القرار، وتشتت المقاربات العمودية. فالغابة المغربية، مثل الغابات العالمية، تحتاج إلى إطار قانوني مهيكل ومندمج يوحد المفاهيم بين البيئي والاقتصادي، ويربطها بالمناخ والجهوية المتقدمة كرافعتين للحكامة المستدامة.

أما على المستوى الدولي، فبات من الضروري التفكير في إنشاء آلية دائمة للحكامة الغابوية العالمية ضمن منظومة الأمم المتحدة، تضمن الشفافية في تتبع الالتزامات المناخية، وتربط بين اتفاقية باريس، واتفاقية التنوع البيولوجي، واتفاقية مكافحة التصحر، ضمن إطار مشترك للتقارير والمتابعة. فالعالم بحاجة إلى مرجعية غابوية كونية تحول الغابات من هامش بيئي إلى محور للسياسات المناخية العالمية.

إن مستقبل الغابات لن يقاس بعدد الأشجار المزروعة، بل بقدرة الدول على زرع الثقة المؤسسية والتضامن المناخي. فالغابة، في عمقها، ليست فقط “رئة الكوكب”، بل ذاكرة الأرض وحافظة توازنها، ومن دونها لا يمكن الحديث عن تنمية، ولا عن مناخ مستقر، ولا عن عدالة بيئية عالمية.

ختاما، تكشف هذه السلسلة،  أن الغابات لم تعد مجرد مكون طبيعي، بل أصبحت أحد أعمدة الأمن الإنساني والمناخي العالمي. فبعد عقود من التشتت القانوني والاختلاف السياسي، يتجه العالم اليوم نحو إعادة تعريف العلاقة بين البيئة والتنمية من خلال مفهوم العدالة المناخية التشاركية، التي تجعل من الغابات قاعدة للسلام البيئي والتوازن بين الأجيال.

ويبدو أن الطريق نحو ميثاق عالمي للغابات قد بدأ يتبلور تدريجيا، عبر تراكم التجارب والمؤسسات والمبادرات الإقليمية. غير أن نجاح هذا المسار سيظل رهينا بإرادة الدول في جعل البيئة أولوية سياسية، لا هامشا للتفاوض، وبقدرتها على تحويل الالتزامات القانونية إلى نتائج ملموسة تحمي الأرض والإنسان معا.

ففي زمن الاختلالات المناخية المتسارعة، تظل الغابة آخر ما تبقى من توازن الطبيعة، وأصدق ما يعكس علاقة الإنسان بحدوده البيئية. ومن هنا، فإن الدعوة إلى ميثاق عالمي للغابات ليست ترفا بيئيا، بل ضرورة وجودية لضمان استمرار الحياة على هذا الكوكب.

——————

لائحة المراجع:

  1. منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، حالة غابات العالم 2022: المسارات الحرجية لتحقيق التعافي الأخضر وبناء اقتصادات شاملة قادرة على الصمود ومستدامة، رقم الإيداع الدولي ISSN 2663-8592، روما: منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، 2022، ص. 8–10.
  2. الأمم المتحدة، تقرير مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية – ريو دي جانيرو 1992، المجلد الأول، وثيقة رقم A/CONF.151/26، نيويورك: الأمم المتحدة، 1993، ص. 47–52.
  3. United Nations. United Nations Conference on Environment and Development (UNCED): Preparatory Committee Reports. Geneva: United Nations, 1991, pp. 32–37.
  4. اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، المادة 3: المبادئ العامة، نيويورك: الأمم المتحدة، 1992.
  5. الأمم المتحدة، البيان غير الملزم حول المبادئ المتفق عليها لإدارة وصون جميع أنواع الغابات وتنميتها المستدامة، مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية، ريو دي جانيرو، 1992، الإسكوا – الترجمة العربية الصادرة ضمن: معجم إحصاءات البيئة، دراسات في الأساليب، السلسلة F، العدد 67، الأمم المتحدة، نيويورك، 1997.
  6. Humphreys, David. Logjam: Deforestation and the Crisis of Global Governance. London: Earthscan, 2006, pp. 54–60.
  7. Kyoto Protocol to the United Nations Framework Convention on Climate Change, Adopted at Kyoto on 11 December 1997, United Nations, New York, 1998, Articles 3 and 12.
  8. اتفاق باريس بشأن تغيّر المناخ، اعتمد في باريس بتاريخ 12 دجنبر 2015، ودخل حيّز التنفيذ في 4 نونبر 2016، الأمم المتحدة، باريس، المادة 5.
  9. United Nations Forum on Forests (UNFF). United Nations Strategic Plan for Forests 2017–2030. New York: United Nations, 2017.
  10. الأمم المتحدة، اتفاقية التنوع البيولوجي المعتمدة في ريو دي جانيرو في 5 يونيو 1992، نص الاتفاقية الرسمية، نيويورك: الأمم المتحدة، المادة 15.
  11. Protocol on Access to Genetic Resources and the Fair and Equitable Sharing of Benefits Arising from their Utilization to the Convention on Biological Diversity, Nagoya, Japan, adopted on 29 October 2010, United Nations, New York, 2011.
  12. Kyoto Protocol to the United Nations Framework Convention on Climate Change, Adopted at Kyoto on 11 December 1997, United Nations, New York, 1998, Articles 3 and 12.
  13. United Nations Environment Programme (UNEP). Carbon Offsets and Environmental Justice: Lessons from the Clean Development Mechanism. Nairobi: UNEP Publications, 2008, pp. 21–28.
  14. United Nations. The Paris Agreement under the United Nations Framework Convention on Climate Change., Adopted in Paris on 12 December 2015, Entered into Force on 4 November 2016, United Nations, Paris, Article 5.
  15. UNFCCC Secretariat. Guidance on Nationally Determined Contributions (NDCs) and Land Use, Land-Use Change and Forestry (LULUCF) Reporting. Bonn: UNFCCC Publications, 2019, pp. 7–12.
  16. United Nations Forum on Forests (UNFF). United Nations Strategic Plan for Forests 2017–2030. New York: United Nations, 2017, Goals 1–3.
  17. Ministry of Ecology and Environment of the People’s Republic of China. Guidance on Promoting Green Belt and Road Development. Beijing: MEE Publications, 2021, pp. 3–8.
  18. Belt and Road Green Development Coalition (BRIGC). Annual Report on Green Belt and Road Development 2021–2024. Beijing: BRIGC Secretariat, 2024, pp. 14–21.
  19. Global Environment Facility & Asian Development Bank. Green Belt and Road: Forest Landscape Restoration Projects in the Greater Mekong Subregion (2020–2024). Manila–Beijing, 2024, pp. 6–9.
  20. الاتحاد الإفريقي و اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر. تقرير مبادرة الحزام الأخضر الإفريقي العظيم 2022. أديس أبابا: منشورات الاتحاد الإفريقي، 2022، ص. 4–12؛

 -       World Resources Institute (WRI). AFR100 Annual Review 2023. Washington, D.C., 2023, pp. 6–14؛
 -       European Commission. EU–Asia Forest Partnership Report 2022. Brussels, 2022, pp. 8–11.

  1. وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة (المغرب) و وزارة البيئة الإيكولوجية (الصين)، مذكرة تفاهم بشأن التعاون البيئي في إطار مبادرة الحزام والطريق، الرباط–بكين، 2021.
  2. Global Forest Watch & University of Maryland. Tree Cover Loss in the Greater Mekong Subregion – 2024 Dataset and Analysis. GLAD–UMD / World Resources Institute, 2025, pp. 2–5.
  3. Flynn, Gerald. “Protected Areas Hit Hard as Mekong Forest Cover Shrinks in 2024.” Mongabay Environmental News, 6 October 2025.
  4. وزارة الفلاحة والمياه والغابات (المغرب)، استراتيجية “غابات المغرب 2020–2030”، الرباط: قطاع المياه والغابات، 2020، ص. 5–10.
  5. وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة (المغرب)، القانون الإطار رقم 99.12 بمثابة الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، الجريدة الرسمية عدد 6240، الرباط، 2014، ص. 1820–1823.
  6. المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (CESE). تقرير حول تدبير الثروة الغابوية بالمغرب: من منطق المحافظة إلى منطق التنمية المستدامة. الرباط، 2020، ص. 22–29.
  7. البنك الدولي (World Bank). Morocco Forest Governance and Climate Integration Report. Washington, D.C., 2022، ص. 6–12.
  8. Deutsche Gesellschaft für Internationale Zusammenarbeit (GIZ). Évaluation des capacités institutionnelles du secteur forestier marocain dans le cadre du programme REDD+. Bonn, 2023, pp. 10–13.
  9. وزارة الفلاحة والمياه والغابات (المغرب)، استراتيجية “غابات المغرب 2020–2030”، الرباط، 2020، ص. 9؛
     World Bank. Morocco Forest Governance and Climate Integration Report. Washington, D.C., 2022, pp. 15–16.

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق