بدأت المكملات الغذائية ومستحضرات التجميل المستخلصة من القنب الهندي المقنن، تشق طريقها تدريجيا في السوق المغربية، وسط رهانات كبرى على التسويق المحلي والتصدير، لكن أيضا في ظل تباين واضح في المواقف بين الفاعلين في القطاع الصيدلي ومصنعي هذه المنتجات.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه عدد من التعاونيات أن الطلب في ارتفاع مستمر، يرى بعض المهنيين أن الإقبال لا يزال محدودا، في ظل معيقات ثقافية ومهنية.
13 ألف وحدة شهريا وطلبات من الخارج
بحسب رئيس إحدى أبرز التعاونيات الوطنية في مجال إنتاج وتسويق القنب الهندي، فقد تم خلال الأشهر الماضية إنتاج ما يقارب 13 ألف وحدة شهريا من مكملات غذائية ومستحضرات تجميل مشتقة من هذه النبتة، مضيفا أن الطلبات لا تنقطع من شركات توزيع الأدوية والصيدليات.
وأوضح في حديثه لـSNRTnews أن حوالي 350 صيدلية أصبحت تتعامل بانتظام مع هذه المنتجات، كما تم تصدير كميات إلى أسواق خارجية، دون الكشف عن الدول المستوردة. ولفت إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت عودة عدد من الصيدليات المحلية لطلب دفعات إضافية، ما يشير إلى تحسن نسبي في الإقبال.
تحفظات نقابية: تقبل ثقافي ضعيف وسعر مرتفع
في المقابل، يرى أمين بوزوبع، الكاتب العام لكونفدرالية نقابات صيادلة المغرب، أن هذا الإقبال لا يزال “ضعيفا جدا”، ويعود ذلك، حسب رأيه، إلى ثلاثة أسباب رئيسية:
1. البعد الثقافي: فالقنب الهندي لطالما كان محظورا، مما يجعل تقبّل منتجاته صعبا على المستهلك المغربي.
2. القدرة الشرائية: حيث أن الأسعار المعروضة لا تتماشى مع جيوب المواطنين، ما يحد من انتشارها.
3. غياب الاقتناع العلمي: إذ لا يزال بعض الأطباء والصيادلة يشككون في القيمة العلاجية لهذه المنتجات، مطالبين بتصنيفها ضمن الأدوية النفسية عوض المكملات الغذائية فقط.
كما شدد بوزوبع على أن بيع هذه المنتجات في بعض الصيدليات لا يعكس بالضرورة حجم طلب كبير، مشيرا إلى أن 350 صيدلية تظل رقما ضعيفا مقارنة بـ14 ألف صيدلية موجودة في المغرب.
دعوة إلى مراجعة التصنيف الدوائي
من وجهة نظر بوزوبع، فإن هذه المنتجات تستدعي وصفة طبية وتصنيفا رسميا كعقاقير نفسية، ما يفرض جمع بيانات دقيقة عن المستخدمين وتوفير متابعة طبية صارمة، مشددا على ضرورة تدخل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية لمراجعة طريقة تصنيف هذه المكملات داخل المنظومة الدوائية الوطنية.
شركات الأدوية: منتجات آمنة وتحتاج إلى توعية
من جهة أخرى، دافعت منى شاباش، مديرة شركة لصناعة الأدوية بالدار البيضاء، عن سلامة المنتجات المصنعة من القنب الهندي، مؤكدة أن شركتها تستعمل بذورا مستوردة مطابقة للمعايير الصحية وخالية تماما من المواد المخدرة.
وقالت شاباش إن هذه المنتجات تلقى استحسان زبائن الشركة، وإن عرضها داخل الصيدليات يعزز الثقة بها. كما اعتبرت أن الأسعار في المتناول، مبرزة أن تحقيق هوامش ربح لفائدة مختلف الفاعلين في سلسلة الإنتاج أمر مشروع.
كما دعت شاباش الأطباء والصيادلة إلى لعب دور محوري في هذه المرحلة عبر شرح فوائد هذه المكملات بلغة مبسطة للمواطنين، تماما كما جرى مع مكملات أخرى أثارت الجدل في بداياتها.
ماذا عن التجارب الدولية؟
عالميا، يشهد استعمال القنب الهندي في الصناعات الغذائية والطبية توسعا ملحوظا. ففي كندا، التي تعتبر من أوائل الدول التي شرّعت استخدام القنب للأغراض الترفيهية والطبية، تستخدم مستخلصات القنب في صناعة مكملات غذائية وزيوت علاجية ومراهم مضادة للالتهابات.
أما في الولايات المتحدة، فقد تم السماح ببيع منتجات CBD، وهو مستخلص غير مخدر من القنب، في معظم الولايات، حيث يتم عرضها في المتاجر الكبرى والصيدليات، وتستخدم لأغراض مثل تخفيف القلق، وتحسين النوم، وتقليل الالتهابات.
ألمانيا كذلك من الدول الرائدة في هذا المجال، حيث تم إدراج منتجات القنب الطبي ضمن النظام الصحي، ويصرف القنب بوصفة طبية لتسكين الآلام المزمنة، وهو ما مكن من خلق سوق مزدهر تقدر قيمته بملايين اليوروهات.
وفي سويسرا وهولندا، ينظر إلى القنب الطبي كخيار علاجي مشروع، بينما يتم تصنيعه وتوزيعه ضمن شبكات قانونية تخضع لرقابة صارمة، مع ضمان جودته وشفافيته للمستهلك.
الإطار القانوني: بين التقنين والتنظيم الصارم
جدير بالذكر أن المغرب صادق سنة 2021 على القانون رقم 13.21 المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، والذي يرمي إلى تقنين زراعة النبتة لأغراض طبية وصناعية، مع منع استخدامها في المجال الترفيهي. وقد أسند القانون إلى الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي مهمة الإشراف والمراقبة، بدءا من الترخيص بالزراعة، مرورا بالتصنيع، ووصولا إلى التصدير.
ويلزم الإطار القانوني الشركات والمزارعين المرخص لهم باحترام معايير دقيقة تتعلق بجودة البذور، وتتبع مسار الإنتاج، واحترام الضوابط الصحية، ما يجعل من ولوج هذا السوق تحديا يتطلب التكوين والتأهيل والمرافقة المؤسساتية. كما ينص القانون على العقوبات الصارمة في حال مخالفة الشروط، لضمان أن يكون المشروع آلية تنموية دون الانزلاق نحو الاستخدامات غير القانونية.
بين مساعي توسيع السوق داخليا وخارجيا، والتحفظات النقابية بشأن السلامة والضوابط القانونية، يبقى مستقبل مكملات القنب الهندي في المغرب رهينا بمدى نجاح الفاعلين في إقناع الأطباء والمواطنين معا بجدواها، وفي نفس الوقت، بتدخل السلطات لتأطير هذا القطاع الواعد، أسوة بالتجارب الدولية الناجحة.



















عذراً التعليقات مغلقة