شهدت أوروبا ومنطقة البحر المتوسط، في أوائل يوليوز الجاري، شدة جفاف غير مسبوقة، إذ تأثر حوالي 52% من الأراضي، وهو أعلى معدل تم تسجيله بين 1 و10 يوليوز منذ بدء الرصد سنة 2012، متجاوزا المتوسط بـ 21%. وشكلت دول أوروبا الشرقية مثل صربيا وبلغاريا وكوسوفو بؤرا شديدة العطش، حيث اقتربت نسبة الأراضي المتأثرة في هذه الدول من 100% من الجفاف، في حين بلغت مناطق الإنذار المتقدمة أكثر من ثلث الأراضي.
آثار على الزراعة والأمن الغذائي
وفقا لتقرير مركز الأبحاث المشتركة للاتحاد الأوروبي، أدى نقص التساقطات المطرية، بين مارس وماي وحرارة تجاوز معدلاتها بأكثر من 2 °C، إلى ضعف رطوبة التربة وإحداث ضغط مباشر على نمو المحاصيل، خاصة في شرق أوروبا والمتوسط، مع توقعات بانخفاض إنتاجية المزروعات الصيفية مثل الذرة دوار الشمس وزيتون وخضروات.
هذا الجفاف الحاد ينعكس على الأمن الغذائي من عدة نواحي:
1. انخفاض الغلة الزراعية في جنوب أوروبا: يتوقع تراجع محصول الذرة والقمح في إيطاليا وتركيا والمغرب، مع تأثير مباشر على توريدات السوق المحلية والتصدير؛
2. ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي: ارتفاع الاستخدام السقي ومصاريف تحلية المياه في دول البحر المتوسط مثل قبرص، مع صعوبة في توفير المياه للزراعة وارتفاع الأسعار؛
التبعات الاقتصادية والمؤسسية
حذر البنك المركزي الأوروبي من أن الجفاف قد يخفض الناتج الاقتصادي لمنطقة اليورو بمعدلات تصل إلى 15% في بعض المناطق، خصوصا جنوب أوروبا التي تعتمد بكثافة على الزراعة والسقي، وقد تتأثر أيضا قطاعات مثل التصنيع والطاقة المائية والنقل عبر الأنهار.
كما أشارت تحليلات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن تأثير الجفاف الاقتصادي اليوم تضاعف تأثيره عن سنة 2000، مع توقع ارتفاع التكاليف بنسبة لا تقل عن 35% بحلول 2035 مع تكرار الظاهرة.
دروس واتجاهات مستقبلية
يعتبر الواقع المتغير والجفاف المتكرر تحذيرا لأوروبا ودول المتوسط لضرورة تعزيز سياسات التكيف المناخي والاستدامة المائية، كما أبرز تقرير مشترك للمركز الوطني لمكافحة الجفاف بالأمم المتحدة والحماية من التصحر أن دول مثل إسبانيا والمغرب وتركيا أصبحت مؤشرات إنذار مبكر لما قد تواجهه بقية أوروبا من أزمات جفاف، لأنها تقع في المناطق الأكثر هشاشة مناخيا والمتأثرة بالحرارة المرتفعة وندرة الأمطار قبل انتقال هذه الظواهر شمالا، لذا فالتعاون الإقليمي ضروري في إدارة المياه والزراعة المقاومة للجفاف.
يمثل الجفاف الحالي في أوروبا ومحيط المتوسط تهديدا مباشرا لإنتاج الغذاء، ويؤثر على الأنظمة الاقتصادية الأساسية. لامتصاص هذه الصدمة، لا بد من استراتيجيات دائمة تشمل تحسين نظم السقي والتخزين، وتطوير المحاصيل المقاومة للجفاف، وتعزيز التعاون الدولي والعمل على سياسات مناخية مجتمعة.




















عذراً التعليقات مغلقة