مع تصاعد التحديات المناخية وتعاظم الالتزامات الدولية بخفض الانبعاثات، برزت سوق الكربون كإحدى الآليات الاقتصادية المبتكرة لتسعير الكربون وإدماجه في المعادلة الاستثمارية. هذه السوق، سواء كانت طوعية أو منظمة، تتيح تبادل أرصدة تمثل خفضا فعليا في الانبعاثات الغازية، وتخلق فرصا لتمويل المشاريع النظيفة في الدول النامية مقابل وحدات كربونية يتم شراؤها من قبل جهات تسعى لتعويض بصمتها البيئية. في هذا السياق، يفتح الانخراط في سوق الكربون أمام المغرب آفاقا استراتيجية لتعزيز تموقعه الطاقي والبيئي، لكنه يطرح في المقابل تحديات متعلقة بالسيادة المناخية والعدالة البيئية.
موقع المغرب في السوق الكربونية: إرث ومؤهلات وفرص
انخرط المغرب مبكرا في آليات الكربون، بدءا من مشاركته في آلية التنمية النظيفة في إطار بروتوكول كيوتو، حيث تم تسجيل عدة مشاريع مغربية في الطاقة والإسمنت وتدبير النفايات. وقد استفاد من بيع أرصدة الكربون في السوق المنظمة مقابل تمويلات خارجية ومواكبة تقنية.
اليوم، من خلال المادة 6 من اتفاق باريس، يفتح السوق الكربوني آفاقا جديدة للمغرب عبر:
-
بيع أرصدة كربونية مستخرجة من مشاريع الطاقة المتجددة، مثل نور ورزازات، طاقة الرياح بطرفاية وطنجة، وإعادة التشجير، وتحلية المياه بالطاقة الشمسية.
-
جذب استثمارات أجنبية في مشاريع منخفضة الكربون بفضل نظام التمويل المناخي القائم على الأرصدة.
-
تعزيز مكانته في التعاون جنوب–شمال كمصدر موثوق لوحدات الكربون، خاصة نحو أوروبا.
-
محطات تحلية المياه بالطاقة النظيفة، وتوجهه نحو الهيدروجين الأخضر.
الفوائد الممكنة: تمويل، نفوذ، وتحفيز الابتكار المحلي
يمثل سوق الكربون بالنسبة للمغرب فرصة تمويل خضراء تسمح بجذب استثمارات أجنبية في مشاريع مستدامة، دون الحاجة إلى مديونية جديدة. كما يتيح له تموقعا دوليا كمصدر موثوق لوحدات الكربون النظيفة، خاصة بالنسبة للشركاء الأوروبيين الذين يسعون لتعويض انبعاثاتهم. ويمكن كذلك أن يحفز هذا السوق المقاولات الوطنية على تحسين أداءها البيئي، واحتساب البصمة الكربونية في القرارات الاستثمارية، مما يعزز من انتقال المغرب نحو اقتصاد منخفض الكربون بشكل تدريجي ومدروس.
التحديات: الشفافية، العدالة، والسيادة المناخية
رغم الفرص، يواجه المغرب تحديات بنيوية وتنظيمية في هذا المسار، أبرزها غياب إطار قانوني منظم للسوق الداخلية للكربون، وضعف القدرات في مجالات التتبع والقياس والمصادقة، ناهيك عن إشكالية تفريغ المنافع البيئية، أي بيع وحدات الكربون المنتجة محليا لدول أخرى دون احتسابها في التزامات المغرب المناخية. وهو ما يطرح إشكال السيادة البيئية، إذ قد تجد الدولة نفسها في موقف تحقق فيه خفض كربوني فعلي، لكنه لا يحتسب ضمن أهدافها الوطنية لأنه قد تم بيعه في السوق الدولية.
البرازيل: البلد الرائد في تصدير وحدات الكربون
تعد البرازيل من أبرز الدول التي استفادت من سوق الكربون، خاصة السوق الطوعية، من خلال مشاريع حماية غابات الأمازون والطاقة الحيوية. وقد سجلت مئات المشاريع في منصات مثل Verra وGold Standard، وتبيع أرصدتها إلى شركات كبرى مثل أمازون وشل.
استفادت البرازيل من هذا النظام بعائدات مالية ضخمة، ودعم مباشر للمجتمعات المحلية، والاعتراف الدولي بدورها المناخي. غير أن التجربة لم تخل من الجدل، حيث وجهت اتهامات لبعض المشترين بغسل الكربون، أي أن الشركات تشتري الأرصدة دون تغيير جذري في نماذجها الملوثة، كما أثيرت إشكالات حول عدالة توزيع العائدات، وحماية حقوق السكان الأصليين.
اليابان: رائدة الشراء لتعويض بصمتها البيئية
على الجانب الآخر، تمثل اليابان نموذجا للدول الصناعية التي تعتمد بشكل كبير على شراء أرصدة كربونية لتعويض انبعاثاتها في إطار التزاماتها المناخية. وقد أنشأت آلية ثنائية تسمى JCM – Joint Crediting Mechanism، تمكنها من تمويل مشاريع نظيفة في دول آسيوية وإفريقية مقابل الحصول على وحدات كربون تستخدم لتقليل بصمتها دون الحاجة إلى تغييرات داخلية كبرى. هذا الأسلوب يمنح اليابان مرونة اقتصادية وصناعية، ونفوذا دبلوماسيا في الجنوب، لكنه يعرضها لانتقادات متكررة تتعلق بإفراغ التعويض من معناه الحقيقي، وتأخير التحول البنيوي نحو إنتاج نظيف في الداخل.
هل المغرب أمام فرصة أم مفترق طرق؟
الانخراط في سوق الكربون يفتح أمام المغرب نافذة استراتيجية لتمويل الانتقال الأخضر دون تكاليف مالية تقليدية، لكن هذا الانخراط يجب أن يتم ضمن رؤية متكاملة تضمن الشفافية، وتحقيق العدالة المناخية، وتثبيت المكاسب داخل الوطن. إذ لا يكفي أن ينتج المغرب وحدات كربونية نظيفة تحسب في أرصدة الآخرين، بل ينبغي أن تعزز هذه المشاريع من قدرته الوطنية على تحقيق أهدافه المناخية، وأن تساهم في التنمية المستدامة للمجتمعات المحلية. وبين النموذج البرازيلي كبائع رائد، والياباني كمشتر مؤثر، يبدو المغرب مطالبا بإيجاد توازن خاص به، يحافظ على سيادته البيئية ويستفيد من آليات السوق دون الوقوع في فخ التبعية المناخية.




















عذراً التعليقات مغلقة