أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، نهاية شتنبر الماضي، تقريرا شاملا حول الدينامية الديموغرافية وانعكاساتها على السياسات العمومية، مستندا إلى نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024. يرسم التقرير صورة دقيقة لمجتمع مغربي يعيش تحولات كبرى: شيخوخة متسارعة، تمدن متنام، وتراجع التضامن الأسري. لكنه يضع أيضا أمام البلاد فرصة تاريخية لتحويل هذه التحديات إلى رافعة للتنمية.
انتقال ديموغرافي سريع
في ظرف نصف قرن فقط، انتقل المغرب من معدل خصوبة بلغ 7.2 أطفال لكل امرأة سنة 1960 إلى 1.97 سنة 2024. وبالموازاة، ارتفع أمد الحياة من 47 سنة إلى 76.4 سنة. هذه التحولات، التي استغرقت قرنا لدى الدول المتقدمة، جاءت نتيجة توسع التعليم، تحسن الخدمات الصحية، وتغير أنماط العيش.
مجتمع يشيخ بسرعة
تتوقع الإسقاطات السكانية ارتفاع نسبة من هم فوق 60 سنة من 13.8% سنة 2024 إلى 19.5% سنة 2040، أي ما يعادل 7.9 ملايين شخص. وضع يفرض ضغطا على أنظمة التقاعد والخدمات الصحية، ويستدعي إصلاحات عميقة في مجال الحماية الاجتماعية.
شباب أقل… تعليم أفضل؟
سيؤدي تراجع الخصوبة إلى انخفاض عدد الأطفال والشباب مع تراجع الفئة دون 15 سنة من 9.7 ملايين سنة 2024 إلى 7.8 ملايين سنة 2040. ويرى التقرير أن هذا الانخفاض قد يشكل فرصة لإعادة توزيع الموارد نحو تعميم التعليم الجيد، تقليص الفوارق المجالية، وضمان انتقال أفضل نحو التعليم العالي.
نافذة الفرصة الديموغرافية
تمثل الفترة الحالية ما يعرف بـ”النافذة الديموغرافية”، مع ارتفاع نسبة السكان في سن العمل مقارنة بالفئات المعالة. هذه النافذة، التي ستستمر حتى حدود 2038، توفر إمكانات هائلة للنمو الاقتصادي إذا صاحبتها إصلاحات في التشغيل، وتحفيز الاستثمار المنتج.
تمدن متسارع وأسر صغيرة
بلغ معدل التمدن 62.8% سنة 2024 ومن المتوقع أن يصل إلى 69.2% سنة 2040. بالتوازي، تزايد عدد الأسر النووية وتراجع حجمها المتوسط من 3.9 أفراد إلى 3.3. هذه التحولات تفرض طلبا إضافيا يقدر بـحوالي 3 ملايين وحدة سكنية بحلول 2040، مع ضرورة مواجهة استمرار السكن غير اللائق.
هجرة مزدوجة الاتجاه
رغم أن المغرب يظل بلدا مصدرا للهجرة، حيث يقيم أكثر من 5 ملايين مغربي بالخارج، فقد أصبح أيضا بلد استقبال، إذ استقر به 148 ألف أجنبي سنة 2024، معظمهم من إفريقيا جنوب الصحراء. تستدعي هذه الدينامية بلورة سياسة إدماج شاملة تراعي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
بين الأزمة والفرصة
يضع التقرير المغرب أمام خيارين واضحين:
-إما التعامل مع الشيخوخة كأزمة تهدد المنظومة الصحية والمالية؛
-أو تحويلها إلى فرصة لبناء “اقتصاد فضي” يضمن الإدماج والكرامة للمسنين ويخلق مسارات جديدة للتنمية.
يتوقف نجاح المغرب في مواجهة هذا المنعطف على:
-
إصلاح أنظمة التقاعد والصحة لضمان الاستدامة والعدالة.
-
استثمار “الاقتصاد الفضي” كقطاع واعد في الصحة، التكنولوجيا، السكن والخدمات.
-
تجديد العقد الاجتماعي عبر مؤسسات بديلة عن الأسرة الممتدة لتعزيز التضامن بين الأجيال.
ويخلص المجلس إلى أن التعامل الاستباقي مع التحولات الديموغرافية ليس خيارا، بل ضرورة سياسية واجتماعية لضمان مستقبل مستقر وعادل






















عذراً التعليقات مغلقة