لم يعد ينظر المحيطات اليوم بوصفها مجرد مساحات مائية تفصل بين القارات، بل أصبحت أحد أهم العناصر المنظمة للمناخ العالمي, فقد كشفت دراسات علمية وتقارير دولية حديثة أن البحار والمحيطات تلعب دورا أكبر بكثير مما كان يعتقد سابقا في ضبط حرارة الكوكب وامتصاص غازات الاحتباس الحراري، وهو ما جعل العلماء يصفونها بـخط الدفاع الأول في مواجهة تغير المناخ.
المحيطات تمتص حرارة الكوكب
تشير دراسة علمية قادها الباحث ليجينغ تشينغ ونشرت في مجلة Advances in Atmospheric Sciences بتاريخ 9 يناير 2024 إلى أن حرارة المحيطات سجلت مستويات قياسية جديدة، مؤكدة أن المحيطات امتصت أكثر من تسعين في المائة من فائض الحرارة الناتج عن الاحترار العالمي منذ سبعينيات القرن الماضي. وبفضل هذه القدرة الاستيعابية الهائلة، تمكنت المحيطات من تخفيف سرعة ارتفاع درجات الحرارة في الغلاف الجوي، إذ إن جزءا كبيرا من الطاقة الحرارية ينتقل إلى المياه بدلا من البقاء في الهواء.
مخزن طبيعي لثاني أكسيد الكربون
لا يقتصر دور المحيطات على تخزين الحرارة فقط، بل يشمل أيضا امتصاص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون, فبحسب تقرير حالة المناخ العالمي الصادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية والمنشور سنة 2024، تمتص المحيطات نحو ربع الانبعاثات العالمية من هذا الغاز كل سنة، وهو ما يجعلها أحد أهم المخازن الطبيعية للكربون على سطح الأرض.
كما تلعب الكائنات البحرية الدقيقة، مثل العوالق النباتية، دورا محوريا في هذه العملية، حيث تمتص ثاني أكسيد الكربون وتحوله إلى مادة عضوية عبر عملية التمثيل الضوئي، كما تنتج نسبة مهمة من الأكسجين الضروري للحياة.
التيارات البحرية.. نظام توزيع الحرارة
تساهم التيارات البحرية الكبرى في توزيع الحرارة بين مناطق العالم المختلفة، فالمياه الدافئة التي تنتقل من المناطق الاستوائية نحو الشمال عبر تيارات المحيطات تساعد على تلطيف المناخ في مناطق واسعة من العالم. وفي هذا السياق، يؤكد تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ ضمن التقرير التقييمي السادس المنشور سنة 2023 أن أي تغير في قوة هذه التيارات قد يؤدي إلى اضطرابات مناخية واسعة النطاق تؤثر في أنماط الطقس العالمية.
الأعشاب البحرية والكربون الأزرق
كشفت دراسات حديثة عن دور مهم لبعض النظم البيئية البحرية في تخزين الكربون، خاصة مروج الأعشاب البحرية. فقد أظهرت دراسة علمية قادتها الباحثة إيميلي سوغين ونشرت في مجلة Nature Communications سنة 2023 أن هذه المروج قادرة على تخزين كميات كبيرة من السكريات والكربون داخل الرواسب البحرية لفترات طويلة، وهو ما جعل العلماء يطلقون على هذه الظاهرة اسم الكربون الأزرق.
تحديات تهدد المحيطات
غير أن هذا الدور الحيوي للمحيطات يواجه تحديات متزايدة نتيجة الضغوط البيئية. فارتفاع حرارة المياه يؤدي إلى ظاهرة تبييض الشعاب المرجانية، كما أن امتصاص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون يتسبب في تحمض المحيطات، وهو ما يهدد العديد من الكائنات البحرية التي تعتمد على الكالسيوم في بناء هياكلها.
حماية المحيطات ضرورة مناخية
لذلك يؤكد الخبراء أن حماية المحيطات لم تعد مسألة بيئية فقط، بل أصبحت قضية مناخية عالمية. فالمحيطات تمثل أحد أهم الأنظمة الطبيعية التي تساعد على استقرار المناخ، وأي اختلال في توازنها قد ينعكس مباشرة على النظام المناخي للأرض، وهو ما يدفع المنظمات الدولية إلى الدعوة لتوسيع المناطق البحرية المحمية والحد من التلوث والانبعاثات الكربونية.


















عذراً التعليقات مغلقة