في خضم الحديث المتزايد عن الفلاحة الذكية والرقمنة، يبرز تعبير سْمَارْت مْلَانْسِم Smart Mlansem بوصفه توصيفا شعبيا لنهج عملي مختلف، لا يقوم على المشاريع الضخمة أو الحلول المكلفة، بل يرتكز على الذكاء في التدبير اليومي، واستعمال أدوات بسيطة قادرة على إحداث أثر مباشر في حياة الفلاح.
ولا يحيل هذا المصطلح إلى تقنية مسجلة أو اختراع رسمي، بل يعكس فلسفة تطبيقية تشكلت ميدانيا داخل التجربة البرازيلية، خاصة في المجال الفلاحي، حيث فرض الواقع البحث عن حلول مرنة لمواجهة الجفاف، تقلب المواسم، وضغط الكلفة.
من أين جاءت الفكرة؟
انبثقت هذه المقاربة من سياق برازيلي خاص، يتميز باتساع المجال القروي وهيمنة الفلاحة العائلية، إلى جانب تفاوت كبير في توزيع الموارد، وعلى رأسها الماء. فرغم أن البرازيل تصنف عالميا ضمن الدول الغنية مائيا، إلا أن جزءا كبيرا من هذه الموارد يتركز في حوض الأمازون، بينما تعاني مناطق واسعة، خاصة في الشمال الشرقي، من جفاف متكرر وشح فعلي في المياه.
لذلك، لا تقوم تجربة سمارت ملانسم على وفرة الماء، بل على تدبير الندرة حين تظهر. أما في المغرب، فالندرة بنيوية ومستمرة، غير أن الرهان واحد: إيصال المعلومة في الوقت المناسب، وترشيد القرار الفلاحي، وتقليص الهدر بأدوات بسيطة وفعالة.
لماذا نجحت في الفلاحة؟
نجاح هذا النهج لم يكن صدفة، بل نتيجة التقاء عاملين بسيطين: فمن جهة، تعتمد البرازيل بشكل واسع على الفلاحة العائلية، حيث يشتغل ملايين الفلاحين في ضيعات صغيرة تحتاج إلى قرارات سريعة بأقل كلفة ممكنة. ومن جهة أخرى، تحسن الربط بالإنترنت في القرى، ما جعل الهاتف ينتقل من أداة تواصل إلى أداة عمل داخل الحقل.
عمليا، يعني ذلك أن الفلاح، وهو في أرضه، يتوصل عبر هاتفه بتنبيه عن موجة جفاف أو صقيع، أو إشعار بانتشار آفة معينة، أو معلومة عن ارتفاع سعر محصوله في سوق قريب. بناء على هذه المعلومة، قد يؤجل السقي يوما، أو يقدم موعد الجني، أو يقلص استعمال المبيدات.
هكذا، لم تعد المعلومة عامة أو متأخرة، بل تحولت إلى قرار يومي بسيط يقلل الخسائر ويرفع مردودية الضيعة، وهو جوهر ما يقصد بسمارت ملانسم.
وهكذا، لم يكن الرهان على وفرة الماء، بل على تدبير الندرة حين تظهر، وهو جوهر فكرة سمارت ملانسم.
وماذا عن المغرب؟
في المغرب، يختلف السياق من حيث الكمية، لكنه يتقاطع من حيث التحدي. فالمملكة تعيش ندرة مائية هيكلية، حيث الموارد محدودة بطبيعتها، والتساقطات ضعيفة وغير منتظمة. غير أن النتيجة واحدة: أي قرار خاطئ في السقي أو التوقيت يكلف كثيرا.
من هنا، لا تستدعى التجربة البرازيلية بوصفها نموذجا مائيا، بل كنموذج تدبير ذكي للندرة. فالمغرب لا يحتاج مياها بحجم البرازيل، بل يحتاج دقة أكبر في استعمال كل قطرة، وسرعة في إيصال المعلومة للفلاح، وحلولا بسيطة تقلل الهدر وترفع النجاعة.
قوة سمارت ملانسم لا تكمن في الإسم، ولا في الإدعاء بوجود اختراع جديد، بل في الدرس الذي تقدمه التجربة البرازيلية: حين يصبح الماء غير مضمون، سواء بسبب قلته أو سوء توزيعه، يصبح الذكاء في التدبير ضرورة يومية.
وهو درس يبدو اليوم ملائما للمغرب وإفريقيا، حيث لم تعد التحديات المناخية تنتظر الحلول الكبرى، بل تتطلب قرارات ذكية، بسيطة، وقريبة من الحقل ومن الفلاح.




















عذراً التعليقات مغلقة