أعلنت ولاية الخرطوم إعفاء السكان من دفع فواتير المياه عن سنتي 2023 و2024 وحتى منتصف 2025، في قرار وصفه والي الخرطوم بأنه “استجابة مباشرة للظروف المعيشية القاسية التي يواجهها المواطن، وحرصا على أن لا تتحول المياه، أبسط حقوق الحياة، إلى عبء إضافي في زمن الحرب”. وأكد الوالي أن الهدف ليس فقط تخفيف الأعباء، بل “فتح باب إصلاح هيكلي طال انتظاره” في قطاع المياه.
يأتي الإعفاء وسط انهيار اقتصادي خانق وارتفاع معدلات الفقر بالسودان، ما يجعل القرار متنفسا سريعا لآلاف الأسر التي فقدت مصادر دخلها أو نزحت داخليا، ويسمح الإجراء للسكان بإعادة توجيه مواردهم المحدودة نحو الغذاء والدواء والسكن، في حين تعتبره السلطات خطوة ضمن خطة اجتماعية لحماية الفئات الأضعف من تداعيات الصراع المسلح.
لكن القرار يبقى مؤقتا، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تمويل شبكات المياه بعد انتهاء مدة الإعفاء، إذ حذر خبراء اقتصاديون من “عجز مستقبلي” محتمل إذا لم توضع آلية لتعويض الإيرادات المفقودة، خصوصا وأن البنية التحتية تعاني أصلا من الإهمال ونقص التمويل.
في المقابل، حمل القرار بعدا إصلاحيا مهما، من خلال توجيه الحكومة لإطلاق مشروع لتوطين صناعة مواد تنقية المياه وتقليل الاعتماد على الواردات. كما يفتح الباب أمام إعادة تأهيل الشبكات وتوسيع محطات المعالجة عبر شراكات مع المجتمع المدني والمستثمرين المحليين، مع تعزيز الحوكمة والشفافية في توزيع المياه.
تشبه هاته الخطوة بالسودان برامج “المياه الأساسية المجانية” التي اعتمدتها جنوب إفريقيا، حيث يحصل المواطنون على حد أدنى مجاني شهريا خلال الأزمات. كما تتقاطع مع إجراءات الأردن بعد جائحة كورونا حين خفضت الحكومة فواتير المياه للأسر الفقيرة، ومع برامج مصر لتسوية المتأخرات ودعم غير القادرين. غير أن الخرطوم تختلف عن هذه النماذج بكون الإعفاء شاملا وكاملا لسنوات، ما يجعله حلا إسعافيا قويا لكنه يحتاج قاعدة تمويلية واضحة حتى لا يتحول إلى عبء مالي مستقبلي.
تظهر المقارنة أن نجاح القرار في الخرطوم سيعتمد على تحويل الإعفاء من إجراء إنقاذي إلى نقطة انطلاق لإصلاح قطاع المياه؛ عبر توطين الصناعة، تحديث البنية، وتفعيل شراكات رقابية ومجتمعية لضمان الاستدامة.






















عذراً التعليقات مغلقة