~شاهد على عبقرية الماضي وروعة الحاضر~
تقف صومعة حسان في قلب الرباط شامخة، شاهدة على قرون من التاريخ المغربي والفن الأندلسي، رمزا لعظمة الدولة الموحدية وإبداع المهندسين المغاربة القدماء. ورغم أن مشروع المسجد الذي أقيمت صومعته ضمنه لم يكتمل، إلا أن الصومعة نجت من الزمن والزلازل لتصبح اليوم معلما وطنيا لا غنى عنه.
من العهد الموحدي إلى يومنا
بدأ بناء صومعة حسان سنة 1197 في عهد السلطان الموحدي يعقوب المنصور، ضمن مشروع لإنشاء أكبر مسجد في المغرب آنذاك. استلهم البناء من مسجد الكتبية بمراكش ومسجد الخيرالدة بإشبيلية، وتم جلب نحو 700 أسير من معركة الأرك للمساعدة في البناء. كان من المقرر أن يبلغ ارتفاع الصومعة 80 مترا، لكنها توقفت عند 44 مترا بعد وفاة السلطان في 1199.
كما دمر زلزال سنة 1755 جزءا كبيرا من المسجد، بينما بقيت الصومعة صامدة، ومن هنا جاءت العبارة الشعبية: “نصفها ذهب”، في إشارة إلى نصف البناء الذي صمد عبر الزمن.
الترميم الحديث: الحفاظ على الأصالة
شهدت الصومعة بين سنتي 2015 و2016 عملية ترميم شاملة، أعلنتها وزارة الثقافة برصد 18 مليون درهم. ركزت فرق الترميم على:
– معالجة التشققات في البنية الحجرية،
– تنظيف الواجهات وإظهار التفاصيل المعمارية،
– تحسين الإضاءة دون المساس بالمكوّن الأصلي.
اعتمد الترميم على مواد محلية وتقنيات تحافظ على أصالة الصومعة، مع تقليل الأثر البيئي لأعمال البناء، لتظل الصومعة نموذجا للتراث المحمي.
كما صممت الصومعة وفق الطراز المغربي الأندلسي، مع ست غرف داخلية يصلها سلم داخلي ملتو استخدم لنقل أدوات البناء. ولاحظ المؤرخ أبو عبد الله محمد بوجندار كيف ينكسر الضوء داخل إحدى غرف الصومعة ليشكل خطوطا هندسية دقيقة، دليل على براعة التصميم القديم واهتمام المهندسين بالجانب الجمالي والوظيفي معًا.
الصومعة في بيئتها الحضرية
تقع صومعة حسان على رابية تطل على نهر أبي رقراق ومدينة سلا، محاطة بمساحات مفتوحة مثل الساحات والطرقات، ما يسمح للزائر برؤيتها بوضوح من بعيد. هذه المساحات تجعل الصومعة تتصدر المشهد الحضري، وتبرز جمالها ومكانتها التاريخية في المدينة، بدل أن تختفي بين الأبنية الأخرى.
تعتبر صومعة حسان، مقصدا للسياح والباحثين عن التاريخ المغربي الأندلسي، التي تقع على بعد أمتار قليلة من ضريح محمد الخامس. وتروي الصومعة قصة الرباط، من عصر الموحدين إلى حاضر المملكة المغربية، كما أنها شاهدة على قدرة الإنسان على بناء التاريخ وحمايته.
صومعة حسان ليست مجرد حجر وزخارف، بل هي شهادة على عبقرية الماضي وجمال الحاضر. نصفها دُمر في الماضي، لكن نصفها الآخر، الذي صانه الترميم الحديث، يلمع اليوم كرمز خالد للتراث المغربي، محافظا على أصالته ومتناسقا مع محيطه الحضري.






















عذراً التعليقات مغلقة