أعادت الولايات المتحدة الأمريكية، مع اعتماد التوجيهات الغذائية للفترة 2025–2030 رسميا في يناير الجاري، إحياء مفهوم الهرم الغذائي في صيغة جديدة بعد سنوات من الاعتماد على نموذج الطبق الغذائي*. ولم يكن هذا التغيير شكليا، إذ جاء الهرم الجديد في عرض مقلوب، مع إبراز أوضح للبروتين ومنتجات الألبان والدهون التي توصف بـالصحية، وهو ما فتح نقاشا علميا وإعلاميا واسعا حول مضمون الرسالة وحدودها.
من السعرات إلى الأطعمة الحقيقية
الرسالة المركزية لهذا التحول تقوم على العودة إلى ما يسمى بالطعام الحقيقي، أي الأطعمة الكاملة قليلة المعالجة، مع تقليص السكريات المضافة والحبوب المكررة والأطعمة فائقة التصنيع. غير أن هذا الشعار، على جاذبيته، أثار تساؤلات عملية حول تعريف الطعام الحقيقي داخل سوق غذائي تهيمن عليه الصناعات الكبرى، وحول قدرة الصورة وحدها على إيصال التوازن المطلوب بين مجموعات غذائية مختلفة دون إرباك القارئ.
الرهان الصحي وتقليص الفاتورة
من منظور الصحة العامة، تراهن السلطات الأميركية على أن تحسين الأنماط الغذائية قد يخفف عبء الأمراض المزمنة التي تستنزف ميزانيات ضخمة سنويا. وتشير معطيات حديثة إلى ارتفاع معدلات زيادة الوزن والسمنة، ما يجعل الوقاية الغذائية أقل كلفة من العلاج لاحقا. وتؤكد التوصيات الجديدة على خفض السكر والصوديوم، والحد من الأطعمة فائقة المعالجة، والالتزام بالحبوب الكاملة، مع التنبيه إلى سقوف استهلاك الدهون المشبعة، وهي نقطة أثارت نقاشا إضافيا في ظل تعزيز حضور البروتين والألبان في الهرم.
أبعاد اقتصادية تتجاوز الصحة
اقتصاديا، يحمل الهرم الجديد إشارات مباشرة للأسواق. فالتركيز على الأطعمة الكاملة قد يعيد توجيه الطلب نحو الخضر والفواكه والمنتجات الأقل تصنيعا، ويدفع الصناعات الغذائية إلى تعديل وصفاتها وخطابها التسويقي. كما ينعكس ذلك على سلاسل التوريد والتخزين. ويرتبط هذا التحول أيضا ببعد بيئي متزايد، إذ إن تشجيع الأطعمة الكاملة غالبا ما يساهم في تقليص البصمة البيئية للغذاء عبر خفض مراحل التصنيع والتغليف والهدر وتكلفة النقل، وهو نقاش يزداد حضورا في السياسات الغذائية عالميا، مع بقاء الجدل قائمًا حول توازن البروتين الحيواني والنباتي وتأثير كل منهما على الموارد.
حدود التحول الغذائي
رغم طموح الرسالة، يظل نجاحها رهينا بوضوحها وقابليتها للتطبيق. فقد أشار خبراء إلى غموض تحديد الحصص، وإلى ضعف تمثيل التنوع الثقافي في النموذج البصري. ويبقى الاختبار الحقيقي في السياسات المرافقة، خاصة في برامج مثل وجبات المدارس، حيث يتحول الهرم من رسم إرشادي إلى قرارات شراء وتموين تؤثر في ملايين الأسر.
إن هذا الهرم الغذائي الجديد ليس مجرد صورة، بل محاولة لإعادة ترتيب الأولويات الغذائية بين الصحة والاقتصاد والبيئة. غير أن الجدل العلمي المصاحب له يذكر بأن نجاح أي سياسة غذائية لا يقوم على الشعار وحده، بل على وضوح الرسالة، والتوازن، والقدرة على تحويل التوجيهات إلى واقع يومي عادل وقابل للتنفيذ.




















عذراً التعليقات مغلقة