لماذا تشتد الحساسية في الربيع؟ وما سبل الوقاية؟

ECO173 أبريل 2026
لماذا تشتد الحساسية في الربيع؟ وما سبل الوقاية؟
إيمان بنسعيد

`يؤكد الدكتور الطيب حمضي أن ارتفاع الحساسية ليس تناقضا بين المطر والجفاف، بل نتيجة تداخل تأثير فوري للأمطار وتأثير متراكم للتغيرات المناخية.`
يحل فصل الربيع كل سنة حاملا معه مظاهر التجدد والحياة، حيث تتفتح الأزهار وتخضر الحقول وتستعيد الطبيعة عافيتها بعد فصل الشتاء، غير أن هذا الجمال لم يعد يخلو من انعكاسات صحية متزايدة، في ظل التحولات المناخية التي يشهدها العالم اليوم. فقد أفرزت هذه التغيرات واقعا جديدا أصبحت فيه الحساسية الموسمية، وعلى رأسها الحساسية الربيعية، من أبرز الظواهر التي تربط بشكل مباشر بين البيئة وصحة الإنسان.

وفي المغرب، يكتسي ربيع هذه السنة طابعا استثنائيا، إذ يأتي بعد سنوات متتالية من الجفاف، ليحمل معه موسما مطريا مهما أعاد الحيوية للغطاء النباتي، وهو ما انعكس، كما يوضح الدكتور الطيب حمضي، في ارتفاع كمية اللقاحات المنتشرة في الهواء، وبالتالي تسجيل زيادة ملحوظة في أعراض الحساسية مقارنة بالسنوات الماضية.

وفي هذا الصدد، أوضح الدكتور الطيب حمضي، طبيب باحث في السياسات والنظم الصحية، في تصريح لجريدة إيكوECO17، أن الحساسية الربيعية، أو ما يعرف بالتهاب الأنف التحسسي، هي تهيج يصيب الغشاء المخاطي للأنف نتيجة استنشاق لقاحات النباتات، وتبدأ عادة في شهر مارس مع انطلاق عملية التلقيح، حيث تطلق النباتات لقاحاتها في الهواء، لتظهر الأعراض لدى الأشخاص الذين لديهم استعداد تحسسي.

وأضاف الدكتور حمضي أن هذه اللقاحات لا تقتصر على فترة قصيرة، بل تختلف حسب أنواع النباتات، إذ تبدأ بعض الأشجار في شهر مارس، بينما تظهر أنواع أخرى خلال شهري ماي ويونيو، وقد تستمر إلى غاية أكتوبر، وهو ما أصبح أكثر وضوحا في ظل التغيرات المناخية التي أدت إلى ارتفاع درجات الحرارة حتى قبل مارس واستمرارها بعد أكتوبر.

وأكد الباحث أن هذه التغيرات المناخية تساهم في إطالة موسم التلقيح وزيادة كثافة اللقاحات في الهواء، مشيرا إلى أن فترة التلقيح عرفت ارتفاعا بحوالي عشرين يوما مقارنة بالعقود السابقة، مع توقعات بزيادة قد تصل إلى أربعين في المائة في أفق سنة 2100، ما يعني أن التعرض لمسببات الحساسية سيصبح أطول وأكثر حدة.

وبخصوص الأعراض، أوضح حمضي أن الحساسية الربيعية تتجلى في سيلان الأنف، والعطس المتكرر، واحمرار العينين وانتفاخهما، مع الشعور بالحكة في الأنف والعينين والأذنين والحلق، إضافة إلى أعراض أخرى مثل التعب، والتوتر، وضعف التركيز، واضطرابات النوم. كما أشار إلى أن الأشخاص المصابين بالربو قد تتفاقم حالتهم، وقد تظهر مضاعفات مثل التهابات الجيوب الأنفية أو صعوبات في التنفس، خاصة لدى الأطفال الذين قد يعانون أيضا من التهابات الأذن.

وأوضح حمضي أنه إذا كانت الأعراض خفيفة ويمكن تحملها فلا داعي للقلق، أما في حال اشتدادها أو تأثيرها على الحياة اليومية، فيجب استشارة الطبيب، لأن الحساسية قد تؤدي إلى مضاعفات إذا لم يتم التعامل معها بشكل صحيح.

وفي ما يتعلق بالتشخيص، أكد  حمضي أن الطبيب يعتمد أساسا على الأعراض السريرية وتكرارها في نفس الفترة من السنة، كما يمكن اللجوء إلى اختبارات جلدية أو تحاليل دموية لتحديد نوع الحساسية بدقة. أما العلاج، فيشمل محاليل أنفية وأدوية مضادة للحساسيةعلى شكل عقاقير، بالإضافة إلى علاجات موجهة للأطفال على شكل شراب، وفي بعض الحالات المعقدة يمكن اعتماد تقنية إزالة التحسس (désensibilisation)، وهي علاج تدريجي يتم عبر تعريض الجسم لكميات صغيرة من المادة المسببة للحساسية على مدى سنة أو سنتين أو ثلاث، بهدف تقليل استجابة الجهاز المناعي.

وشدد الطيب حمضي على أن الوقاية تبقى الأساس، حيث نصح بتجنب الخروج في الفترات التي تكون فيها نسبة اللقاحات مرتفعة، خاصة في الصباح وبعد الزوال، وعند اشتداد الرياح أو في الأجواء الجافة، لأن تركيز اللقاحات يكون أعلى. كما أوصى بإغلاق نوافذ المنازل والسيارات وأماكن العمل، وتهوية المنازل في المساء عندما تقل نسبة اللقاحات، مع ارتداء النظارات الواقية عند الخروج.

كما نصح الدكتور الطيب حمضي بتغيير الملابس فور العودة إلى المنزل والاستحمام للتخلص من اللقاحات العالقة بالجسم، وعدم تجفيف الملابس في الخارج حتى لا تلتصق بها هذه اللقاحات، إضافة إلى تجنب الأماكن التي يكثر فيها الغبار أو النباتات، مشيرا إلى أن الحساسية الربيعية أصبحت ظاهرة واسعة الانتشار، حيث يعاني منها شخص واحد من كل أربعة على المستوى العالمي، في حين تتوقع منظمة الصحة العالمية أن تصل النسبة إلى شخص واحد من كل اثنين بحلول سنة 2050، كما أن 90 % من المصابين تقل أعمارهم عن 40 سنة.

وأوضح أيضا أن هناك فرقا واضحا بين الحساسية ونزلة البرد، إذ ترتبط هذه الأخيرة بالفيروسات والبكتيريا وتكون مصحوبة بارتفاع في درجة الحرارة، بينما ترتبط الحساسية باللقاحات ولا ترافقها الحمى، وهو ما يجعل أدوية الزكام غير مفيدة في هذه الحالة، بل غير موصى بها حتى في بعض الحالات، مؤكدا كذلك أن العامل الوراثي يلعب دورا مهما في الإصابة بالحساسية، حيث ترتفع احتمالية الإصابة إلى 70 في المائة إذا كان كلا الوالدين مصابين، مما يعزز ضرورة الانتباه المبكر للأعراض.

وفي ما يتعلق بالعلاجات الطبيعية، أشار الطيب حمضي إلى أنه لا توجد دراسات علمية تثبت فعالية الأعشاب أو العسل في علاج الحساسية، رغم أن العسل يحتوي على فوائد غذائية ويدعم المناعة، إلا أن اللقاحات الموجودة فيه لا تتطابق مع مسببات الحساسية التنفسية، كما أن كميتها ضعيفة جدا ولا يمكن أن تشكل علاجا فعليا أو بديلا عن إزالة التحسس.

أما في الحالة المغربية، فإن قراءة تطور الحساسية هذا الموسم، حسب الطيب حمضي، تقتضي التمييز بين مستويين مختلفين. فمن جهة، أدى الموسم المطري الحالي إلى نمو كثيف للنباتات، وبالتالي ارتفاع كبير في كمية اللقاحات، وهو ما يفسر الزيادة الحالية في أعراض الحساسية مقارنة بالسنوات التي عرفت جفافا. ومن جهة أخرى، فإن الجفاف والتغيرات المناخية، على المدى البعيد، يساهمان في تغيير طبيعة الغطاء النباتي لصالح أنواع أكثر إنتاجا للقاحات، كما يؤديان إلى إطالة موسم التلقيح، مما يزيد من فرص التعرض للحساسية.

وخلص الطيب حمضي إلى أن هذا التداخل بين تأثير سنة مطيرة وتأثير التغيرات المناخية طويلة المدى يفسر الارتفاع المستمر في حالات الحساسية، مؤكدا أن ما يبدو تناقضا هو في الحقيقة نتيجة اختلاف الزمن بين التأثيرين، حيث يظهر أثر الأمطار بشكل فوري، بينما يتراكم أثر الجفاف والتغير المناخي تدريجيا.

وفي ظل هذه المعطيات، يؤكد الطيب حمضي أن الحساسية الربيعية لم تعد مجرد ظاهرة موسمية عابرة، بل أصبحت مؤشرا واضحا على التحولات البيئية العميقة التي يعرفها العالم، ما يستدعي تعزيز الوعي الصحي، والاعتماد على الوقاية، والالتزام بالتوجيهات الطبية، من أجل التكيف مع واقع مناخي جديد يفرض تحديات متزايدة على صحة الإنسان.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق