كلفة الكراء في المغرب.. هل أصبحت المدن الكبرى خارج متناول الطبقة الوسطى؟

ECO1711 أكتوبر 2025
كلفة الكراء في المغرب.. هل أصبحت المدن الكبرى خارج متناول الطبقة الوسطى؟

أظهر أحدث تحديث لمعطيات نيمبيو Numbeo، لشهر أكتوبر 2025، أن ثلاث مدن مغربية هي الدار البيضاء، الرباط، ومراكش، دخلت قائمة أغلى 20 مدينة إفريقية من حيث الكراء، في إشارة إلى التحولات البنيوية التي يعرفها سوق السكن بالمغرب.

فقد احتلت الدار البيضاء المرتبة الخامسة إفريقيا و273 عالميا، متقدمة على عدد من العواصم الإفريقية الكبرى. وجاءت الرباط في المرتبة الثامنة إفريقيا و285 عالميا، بينما صعدت مراكش إلى المرتبة السابعة عشرة إفريقيا و343 عالميا ضمن تصنيف يشمل 393 مدينة حول العالم.

وفق أرقام نيمبيو، يبلغ متوسط كراء شقة من غرفة واحدة في مركز الدار البيضاء حوالي 5,700 درهم شهريا، مقابل 4,270 درهم في الرباط و3,900 درهم في مراكش، مع تزايد الفجوة بين الأحياء المركزية والضواحي بنسبة تتجاوز 35% في بعض المناطق.

 دينامية السوق: طلب مرتفع وعرض محدود

يظهر هذا الترتيب أن المدن المغربية الكبرى أصبحت تشهد ضغطا متزايدا على سوق الكراء نتيجة عوامل متشابكة:

  • الهجرة الداخلية المتسارعة نحو المدن الساحلية بحثا عن فرص الشغل والتعليم؛

  • تنامي النشاط السياحي، خصوصا في مراكش، حيث يتنافس السكن السياحي مع السكن العادي على نفس الرصيد العقاري؛

  • ارتفاع تكاليف مواد البناء والخدمات، ما انعكس مباشرة على الأسعار النهائية؛

  • وتأخر إنعاش السكن الموجه للطبقة المتوسطة رغم الجهود الحكومية لتجديد العرض العقاري.

الأثر الاجتماعي والاقتصادي

تتجه الأسر المتوسطة إلى إنفاق ما بين 35 و45% من دخلها على الإيجار، مقابل المعدل الدولي الموصى به وهو 30%. وهذا الوضع يضغط على القدرة الشرائية، ويضعف الاستهلاك الداخلي، ويزيد من النزعة إلى السكن في الضواحي أو المشاركة السكنية، مما يخلق تبعا لذلك تكاليف إضافية في النقل والخدمات.

وتشير المعطيات نفسها إلى أن مؤشر القدرة الشرائية في الدار البيضاء يبلغ حوالي 31.2 نقطة فقط، مقابل 37.5 في الرباط، ما يعني أن الدخل الشهري لا يواكب نسق ارتفاع الإيجارات والخدمات، خاصة بالنسبة للموظفين الجدد والعائلات الشابة.

المغرب في مصاف المدن الأغلى في إفريقيا

على المستوى القاري، تتصدر جوهانسبرغ وكيب تاون ولاجوس قائمة المدن الإفريقية الأعلى من حيث تكلفة الكراء، إذ يتجاوز متوسط كراء شقة صغيرة في مركز كيب تاون حوالي 6,500 درهم مغربي، بينما تتراوح الأسعار في نيروبي بين 4,800 إلى 6,400 درهم مغربي.

هذا التقارب في المستويات السعرية يعكس نمط تمدين متشابه بين اقتصادات إفريقيا الصاعدة: ازدياد الطلب على السكن الحضري، توسع الطبقات الوسطى الجديدة، وتنامي الاستثمار العقاري الموجه للفئات الميسورة أو للأجانب المقيمين، مما يترك الطبقة المتوسطة بين مطرقة الأسعار وسندان الندرة.

ويبدو أن المغرب يسير في الاتجاه نفسه، حيث تجمع مدنه الكبرى بين دينامية اقتصادية قوية وتوترات عقارية متزايدة، ما يجعل قضية الولوج إلى السكن الملائم والميسر أحد التحديات الاجتماعية الكبرى خلال العقد القادم.

تؤكد المعطيات الأخيرة أن مواجهة هذا الوضع تتطلب رؤية حضرية شاملة تدمج بين السياسات السكنية والعدالة المجالية، عبر:

  • وضع مؤشر وطني مرجعي لأسعار الكراء على غرار ما هو معمول به في بعض الدول الأوروبية؛

  • تحفيز الاستثمار في السكن الموجه للطبقة المتوسطة من خلال دعم التمويل العقاري وتسهيل الولوج إلى الأراضي الحضرية؛

  • وتشجيع البلديات على اعتماد مراقبة حضرية للكراء في الأحياء الأكثر ضغطا.

فالسكن لم يعد مجرد مسألة اقتصادية، بل أصبح ركيزة للتماسك الاجتماعي وضمان الاستقرار الحضري في مدن تتسارع فيها التحولات وتتعاظم فيها التفاوتات.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق