فقه النوازل في الغرب الإسلامي: عندما تحولت قضايا البيئة إلى اجتهادات فقهية عملية

ECO1712 مارس 2026
فقه النوازل في الغرب الإسلامي: عندما تحولت قضايا البيئة إلى اجتهادات فقهية عملية
إيمان بنسعيد

الحلقة الخامسة

فقه النوازل في الغرب الإسلامي: عندما تحولت قضايا البيئة إلى اجتهادات فقهية عملية

_قراءة في كتاب الدكتور عبد الحكيم الشتيوي «التشريع البيئي من خلال تراث نوازل الغرب الإسلامي»: كيف عالج الفقهاء قضايا البيئة في الواقع اليومي للمجتمعات الإسلامية_

كما بينا في الحلقة السابقة، فإن الشريعة الإسلامية وضعت مجموعة من المبادئ العامة التي تضبط علاقة الإنسان بالطبيعة، من خلال النصوص القرآنية والتوجيهات النبوية والقواعد الفقهية التي تمنع الإضرار بالغير وتحث على عمارة الأرض. غير أن هذه المبادئ لم تبق في حدود الإطار النظري، بل وجدت طريقها إلى التطبيق العملي في ما عرف في التراث الفقهي الإسلامي بـ كتب النوازل.

ويشير الدكتور عبد الحكيم الشتيوي في كتابه «التشريع البيئي من خلال تراث نوازل الغرب الإسلامي» إلى أن كتب النوازل تمثل أحد أهم المصادر التي تعكس طبيعة الحياة اليومية في المجتمعات الإسلامية، لأنها تقوم أساسا على الأسئلة التي كان الناس يطرحونها على الفقهاء بشأن المشكلات التي تواجههم في الواقع. ولذلك فإن هذه الكتب تقدم صورة دقيقة عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية التي عرفتها مجتمعات الغرب الإسلامي.

ومن خلال هذه النوازل يظهر أن قضايا البيئة والموارد الطبيعية كانت حاضرة بقوة في اهتمامات الفقهاء، لأنها ترتبط مباشرة بحياة الناس ومعاشهم. فقد تناولت الفتاوى مسائل متعددة تتعلق باستعمال المياه، وتنظيم الأراضي الزراعية، والانتفاع بالأشجار، إضافة إلى تنظيم العلاقات بين الجيران في العمران.

ويلاحظ المؤلف أن أهمية كتب النوازل لا تقتصر على قيمتها الفقهية فقط، بل تتجاوز ذلك إلى كونها وثائق تاريخية واجتماعية تعكس تفاصيل الحياة اليومية في المجتمعات الإسلامية. فمن خلالها يمكن التعرف على طبيعة الأنشطة الاقتصادية وأنماط العمران والعلاقات بين الناس، إضافة إلى القضايا المرتبطة باستعمال الموارد الطبيعية التي كانت تشكل أساس الحياة الاقتصادية والاجتماعية في تلك المجتمعات.

ويشير المؤلف إلى أن كتب النوازل ازدهرت بشكل لافت في الغرب الإسلامي، خاصة في بلاد المغرب والأندلس، حيث ظهرت مؤلفات عديدة جمعت فتاوى الفقهاء في القضايا التي عرضت عليهم في الواقع. وقد شكلت هذه الكتب سجلا حقيقيا للحياة الاجتماعية والاقتصادية في تلك المجتمعات، لأنها تعكس طبيعة المشكلات التي كان الناس يواجهونها في مجالات مختلفة، من بينها قضايا مرتبطة باستعمال الموارد الطبيعية وتنظيم العمران.

وقد كان القضاة والمفتون يتدخلون للفصل في النزاعات التي قد تنشأ بسبب استعمال الأرض أو المياه أو غيرها من الموارد المشتركة، مستندين في ذلك إلى قواعد الشريعة ومقاصدها. ولذلك فإن النوازل الفقهية لا تمثل مجرد اجتهادات نظرية، بل تعكس تطبيقا عمليا لمبادئ الشريعة في تنظيم الحياة اليومية للناس.

ومن الأمثلة التي يوردها المؤلف ما يتعلق باستعمال الموارد المشتركة، مثل الأشجار الموجودة في الأماكن العامة. فقد كان الفقهاء يناقشون مسألة الانتفاع بثمارها إذا كانت في مسجد أو مقبرة أو مكان مشترك، وهل يجوز للناس أن يأكلوا منها.

وفي هذا السياق ورد في بعض كتب الفقه قول مشهور يعكس طبيعة هذا الانتفاع الجماعي:”وشجرٌ بمسجدٍ أو مقبرةٍ يأكل من شاءَ من تلك الشجرة”.

ويشير هذا النص إلى أن بعض الموارد الطبيعية كانت تعتبر ملكا مشتركا للناس، يجوز الانتفاع بها ما دام ذلك لا يؤدي إلى الإضرار بها أو الاعتداء على حقوق الآخرين.

كما تناولت النوازل الفقهية قضايا تتعلق بتنظيم العلاقات بين الجيران في العمران، وهي مسائل ترتبط بشكل مباشر بالبيئة الحضرية. فقد كان الفقهاء ينظرون في النزاعات التي قد تنشأ بسبب البناء أو فتح النوافذ أو تصريف المياه إذا كان ذلك يؤدي إلى الإضرار بالجار.

وفي مثل هذه الحالات كان الفقهاء يستندون إلى قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، وهي القاعدة التي شكلت أساسا مهما لتنظيم العلاقات بين الناس ومنع كل تصرف يؤدي إلى الإضرار بالآخرين.

ومن الأمثلة التي تناولتها النوازل أيضا القضايا المرتبطة بالأراضي الزراعية واستعمال المياه في السقي، وهي مسائل كانت تشكل أساس النشاط الاقتصادي في المجتمعات الزراعية في الغرب الإسلامي. فقد كان الفقهاء ينظرون في النزاعات التي قد تنشأ بين المزارعين حول حق الانتفاع بالمياه أو حدود الأراضي، ويسعون إلى إيجاد حلول تحقق العدل بين الأطراف وتمنع الإضرار بالغير.

وتكشف هذه النوازل، كما يرى المؤلف، عن حس فقهي عملي كان يحرص على تحقيق التوازن بين مصالح الأفراد والمصلحة العامة للمجتمع، وهو ما يجعل هذا التراث مصدرا مهما لفهم كيفية تعامل الفقه الإسلامي مع القضايا المرتبطة بالبيئة والموارد الطبيعية.

ومن خلال هذا التراث يتضح أن الفقهاء لم ينظروا إلى البيئة باعتبارها مجرد مجال للاستغلال، بل باعتبارها جزءا من المجال المشترك الذي ينبغي الحفاظ عليه بما يحقق العدل بين الناس ويمنع الإضرار بالمجتمع.

ولهذا فإن دراسة تراث النوازل في الغرب الإسلامي تكشف عن رصيد فقهي غني يمكن الاستفادة منه اليوم في التفكير في القضايا البيئية المعاصرة، خاصة في ما يتعلق بتنظيم استعمال الموارد الطبيعية وتحقيق التوازن بين التنمية وحماية البيئة.

وفي الحلقة المقبلة سنواصل الوقوف عند هذا الجانب التطبيقي من خلال التطرق إلى تنظيم الموارد الطبيعية في تراث الغرب الإسلامي، وخاصة ما يتعلق بالماء والأرض والزراعة، لنرى كيف تعامل الفقهاء مع هذه القضايا التي شكلت أساس الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات الإسلامية.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

    نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

    موافق