في خطوة نوعية لتنزيل مضامين الخطابين الملكيين بمناسبة عيد العرش وافتتاح السنة التشريعية 2025، انعقد المجلس الوزاري برئاسة الملك محمد السادس، يوم الأحد 19 أكتوبر، معلنا عن بداية مرحلة جديدة من الإصلاح العميق والتنمية الشاملة.
لكن ما ميز هذا المجلس، هو أنه لم يقتصر على المصادقة على مشاريع قوانين تقنية، بل رسم معالم رؤية متكاملة تقوم على أربعة مسارات إصلاحية كبرى، تهدف إلى ترجمة التوجيهات الملكية إلى سياسات ملموسة تحدث الأثر في حياة المواطن، وتكرس العدالة المجالية والنجاعة في الإنجاز.
1. إصلاح سياسي ومؤسساتي لتأهيل النخب وتجديد الثقة
تمثلت أولى هذه المسارات في مصادقة المجلس الوزاري على مشروع القانون التنظيمي لمجلس النواب، وتعديلات قوانين الأحزاب، حيث تم التأكيد على ضرورة تطهير الحياة السياسية من الممارسات غير الأخلاقية: منع المترشحين المدانين من خوض الانتخابات، وتشديد العقوبات على التلاعبات، خطوات حاسمة نحو تعزيز الشفافية وتجديد النخب على أساس الكفاءة والاستقامة، انسجاما مع دعوة جلالة الملك لتحمل المسؤولية الأخلاقية، قبل مجرد السعي إلى المناصب.
ويرى مراقبون أن هذا التوجه هو السبيل الأنجع لمواجهة مظاهر “الأنانية الحزبية” التي لطالما عطلت المشاريع التنموية، خاصة في المناطق الجبلية والهامشية التي تعاني من الإقصاء بسبب حسابات انتخابوية ضيقة.
2. تمكين الشباب والنساء كرافعة للتنمية الجهوية
المسار الثاني يؤكد أن التمكين السياسي لفئتي الشباب والنساء لم يعد خيارا، بل أصبح ضرورة استراتيجية في البناء الديمقراطي والتنمية المجالية.
فدعم الدولة لحملات الشباب دون سن 35 بنسبة تصل إلى 75%، إلى جانب تخصيص الدوائر الجهوية حصريا للنساء، يعبر عن توجه واضح نحو ضخ دماء جديدة في المؤسسات، وتفعيل الجهوية المتقدمة كخيار لا رجعة فيه.
ويهدف هذا المسار إلى جعل الشباب والنساء فاعلين مباشرين في اتخاذ القرار على المستوى الترابي، في أفق إرساء عدالة مجالية حقيقية، تأخذ بعين الاعتبار التفاوتات بين الجهات وتثمن خصوصياتها التنموية.
3. التحصين السيبراني والدمج الأمني في خدمة التنمية
المسار الثالث جاء ليكرس وعيا متقدما بترابط الأمن والتنمية، حيث صادق المجلس على مشروعي مرسومين عسكريين، أبرزهما المتعلق بتعزيز المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، ما يشكل نقلة نوعية في تحصين البنية التحتية الرقمية الوطنية.
كما تم إقرار تعويضات تحفيزية لاستقطاب الكفاءات في مجال الأمن السيبراني، في خطوة استباقية تهدف إلى حماية المشاريع التنموية الكبرى من التهديدات الرقمية، وتأمين الانتقال نحو اقتصاد رقمي متطور.
وفي السياق ذاته، تمت المصادقة على مشروع إصلاح المدرسة الملكية لمصلحة الصحة العسكرية، وإحداث “مجلس للبحث العلمي العسكري”، في إطار تكامل المنظومتين الدفاعية والصحية مع الإصلاح الشامل الذي تعرفه المنظومة الوطنية.
4. سيادة القانون والانفتاح الدولي كدعامة للاستقرار والتنمية
رابع المسارات يتمثل في تعزيز دعائم دولة القانون من خلال إقرار آلية الدفع بعدم دستورية القوانين، وتعديل القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، مما يعزز الأمن القانوني ويضمن أن يتم تنزيل الإصلاحات داخل إطار دستوري يحمي الحقوق والحريات.
وعلى المستوى الخارجي، صادق المجلس على 14 اتفاقية دولية، كما تم الإعلان عن استضافة المملكة لمقرين دائمين لمنظمتين إفريقيتين، بما يرسخ مكانة المغرب كفاعل تنموي وقاري، ويعزز موقعه في منظومة التعاون الدولي.
هذا الانفتاح يعكس رؤية مغربية متكاملة تعتبر أن إشعاع المملكة إقليميا ودوليا يجب أن ينعكس داخليا عبر جذب الاستثمارات وتحفيز المقاولة وخلق فرص الشغل، خاصة في صفوف الشباب.
رؤية ملكية لمغرب متجدد وشامل
جاء المجلس الوزاري الأخير ليؤكد أن التوجيهات الملكية لم تعد تقرأ فقط كخطابات موجهة للنخبة السياسية، بل باتت خارطة طريق واضحة لإعادة بناء النموذج التنموي الوطني، وفق أربعة مسارات متكاملة: الإصلاح السياسي، التمكين المجتمعي، التحصين الرقمي، والسيادة القانونية والدبلوماسية.




















عذراً التعليقات مغلقة